عرب‭ ‬ولكنهم‭ ‬لاجئون‭ ‬في‭ ‬وطنهم‭…‬

في‭ ‬غمرة‭ ‬الصراعات‭ ‬المدمّرة‭ ‬المستعصية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬متزايد،‭ ‬هاجر‭ ‬أفراد‭ ‬وجماعات‭ ‬بأسرها‭ ‬من‭ ‬مواطنهم‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وليبيا،‭ ‬والسودان،‭ ‬وسورية‭ ‬واليمن‭. ‬وجاء‭ ‬أغلب‭ ‬طالبي‭ ‬اللجوء‭ ‬من‭ ‬سورية‭. ‬فقد‭ ‬أُرغم‭ ‬نحو‭ ‬5‭.‬6‭ ‬ملايين‭ ‬نسمة‭ ‬على‭ ‬عبور‭ ‬الحدود‭ ‬إلى‭ ‬العراق،‭ ‬والأردن،‭ ‬ولبنان‭ ‬وتركيا،‭ ‬بينما‭ ‬انتشر‭ ‬6.6‭ ‬ملايين‭ ‬آخرين‭ ‬كنازحين‭ ‬داخل‭ ‬سورية‭.‬3‭ ‬ويقيم‭ ‬كثير‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬مخيمات‭ ‬مؤقتة‭ ‬للاجئين‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مساكن‭ ‬لأناس‭ ‬آخرين‭. ‬كما‭ ‬جازف‭ ‬الملايين‭ ‬منهم‭ ‬بحياتهم‭ ‬في‭ ‬رحلات‭ ‬محفوفة‭ ‬بالمخاطر‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬بينما‭ ‬هاجر‭ ‬مئات‭ ‬الألوف‭ ‬منهم‭ ‬إلى‭ ‬بلدان‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬التعليم‭ ‬أو‭ ‬الوظائف‭.‬

لكن‭ ‬السوريين‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬وحدهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الناحية‭. ‬ففي‭ ‬غضون‭ ‬العقود‭ ‬الثلاثة‭ ‬الماضية،‭ ‬شهد‭ ‬العراقيون‭ ‬موجات‭ ‬نزوح‭ ‬ضخمة،‭ ‬إذ‭ ‬هرب‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬4‭.‬4‭ ‬ملايين‭ ‬شخص‭ ‬من‭ ‬مواطنهم‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية‭ ‬في‭ ‬العامين‭ ‬1990‭ ‬و2003،‭ ‬وأُرغم‭ ‬ما‭ ‬يُقارب‭ ‬3‭.‬4‭ ‬ملايين‭ ‬على‭ ‬الهجرة‭ ‬بعد‭ ‬ظهور‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2014‭.‬4‭ ‬وهنالك‭ ‬اليوم‭ ‬نحو‭ ‬مليونيْ‭ ‬نازح‭ ‬داخل‭ ‬البلاد،‭ ‬بينما‭ ‬يقيم‭ ‬عشرات‭ ‬الألوف‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬والأردن‭. ‬وفي‭ ‬اليمن‭ ‬وليبيا،‭ ‬تتكشّف‭ ‬قصة‭ ‬مماثلة،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬النزوح،‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الحالات،‭ ‬داخل‭ ‬الحدود‭ ‬الوطنية‭. ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬الأثناء،‭ ‬هرب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬2‭.‬4‭ ‬مليون‭ ‬سوداني‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬مجاورة،‭ ‬خاصة‭ ‬أوغندا‭.‬5

تمثّل‭ ‬حركات‭ ‬النزوح‭ ‬السكاني‭ ‬الضخمة‭ ‬هذه‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭ ‬الوطنية‭ ‬الموجة‭ ‬الرابعة‭ ‬والأوسع‭ ‬نطاقاً‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬النزوح‭ ‬القسري‭ ‬الذي‭ ‬واجهته‭ ‬المنطقة‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭. ‬وجاءت‭ ‬هذه‭ ‬الحركات‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬هروب‭ ‬الأرمن‭ ‬من‭ ‬المذابح‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬بين‭ ‬العاميْن‭ ‬1916‭ ‬و1918،6‭ ‬وإرغام‭ ‬1.2‭ ‬مليون‭ ‬فلسطيني‭ ‬على‭ ‬مغادرة‭ ‬وطنهم‭ ‬في‭ ‬العامين‭ ‬1948‭ ‬و1967‭.‬7

ثمة‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬ترتيبات‭ ‬دولية‭ ‬وإقليمية‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬تداعيات‭ ‬أزمة‭ ‬اللاجئين‭ ‬هذه‭. ‬فالنظام‭ ‬الحالي‭ ‬عاجز‭ ‬عن‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تطرحها‭ ‬الصراعات‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬بحجمه‭ ‬الضخم‭ ‬ونطاقه‭ ‬الواسع‭. ‬فالاتفاقية‭ ‬الخاصة‭ ‬بوضع‭ ‬اللاجئين‭ ‬للعام‭ ‬1951،‭ ‬والبرتوكول‭ ‬الملحق‭ ‬بها‭ ‬للعام‭ ‬1967،‭ ‬وهما‭ ‬الأداتان‭ ‬الدوليتان‭ ‬الرئيستان‭ ‬لحماية‭ ‬حقوق‭ ‬اللاجئين‭ ‬وضمان‭ ‬مبدأ‭ ‬عدم‭ ‬إعادة‭ ‬اللاجئين‭ ‬قسراً‭ ‬إلى‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬هربوا‭ ‬منه،8‭ ‬صممتا‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬واجهها‭ ‬اللاجئون‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفياتي‭. ‬فقد‭ ‬طلب‭ ‬نحو‭ ‬11‭ ‬مليوناً‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الألمان‭ ‬اللجوء‭ ‬آنذاك‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬يُسيطر‭ ‬عليها‭ ‬الحلفاء،‭ ‬بينما‭ ‬طرد‭ ‬13‭ ‬مليون‭ ‬ألماني‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفياتي‭ ‬وتشيكوسلوفاكيا‭ ‬وبولندا‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬المفترض،‭ ‬ضمناً،‭ ‬أن‭ ‬العناية‭ ‬باللاجئين‭ ‬ستكون‭ ‬مسؤولية‭ ‬عالمية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬إدراج‭ ‬أية‭ ‬آليات‭ ‬مُلزمة‭ ‬في‭ ‬الاتفاقية‭. ‬وبالتالي،‭ ‬أدّى‭ ‬غياب‭ ‬المشاركة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬تحمّل‭ ‬الأعباء‭ ‬والمسؤولية‭ ‬إلى‭ ‬تحميل‭ ‬دول‭ ‬الجوار،‭ ‬مثل‭ ‬لبنان‭ ‬والأردن،‭ ‬نصيباً‭ ‬غير‭ ‬متكافئ‭ ‬من‭ ‬أعباء‭ ‬العناية‭ ‬بالعدد‭ ‬الأضخم‭ ‬من‭ ‬اللاجئين‭. ‬وقد‭ ‬تُرك‭ ‬اللاجئون‭ ‬المُستضعفون‭ ‬في‭ ‬أوضاع‭ ‬محفوفة‭ ‬بالمخاطر‭ ‬بصورة‭ ‬مطّردة‭ ‬جراء‭ ‬الطبيعة‭ ‬غير‭ ‬الملزمة‭ ‬للآليات‭ ‬الدولية‭ ‬الخاصة‭ ‬بحماية‭ ‬اللاجئين،‭ ‬وعدم‭ ‬إنفاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬الخاصة‭ ‬بضمان‭ ‬حقوق‭ ‬اللاجئين‭. ‬ثم‭ ‬ثمة‭ ‬افتقار‭ ‬للترتيبات‭ ‬الإقليمية‭ ‬الخاصة‭ ‬بمعالجة‭ ‬الأزمة‭. ‬فسبع‭ ‬دول‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬السبع‭ ‬والعشرين‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬العربية‭ ‬وقّعت‭ ‬الاتفاقية‭ ‬الخاصة‭ ‬بوضع‭ ‬اللاجئين‭ ‬والبروتوكول‭ ‬الملحق‭ ‬بها،‭ ‬لكن‭ ‬أياً‭ ‬منها‭ ‬لم‭ ‬يصادق‭ ‬عليها‭ (‬انظر‭ ‬الجدول‭ ‬في‭ ‬الملحق‭).‬9‭ ‬واتخذت‭ ‬خطوة‭ ‬إيجابية‭ ‬العام‭ ‬1965‭ ‬بتبني‭ ‬‮«‬بروتوكول‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬حول‭ ‬معاملة‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‮»‬‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬وزراء‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬العربية،‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬توظيف‭ ‬اللاجئين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬المضيفة،‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬وثائق‭ ‬السفر،‭ ‬والسفر‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وفقاً‭ ‬للتأشيرات‭ ‬وأذون‭ ‬الدخول‭ ‬المعتادة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المواطنين‭ ‬العرب‭ ‬الآخرين‭.‬10‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬الحقوق‭ ‬الممنوحة‭ ‬وفق‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬التزام‭ ‬مختلف‭ ‬الدول‭ ‬بها،‭ ‬ولاسيما‭ ‬تلك‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالتوظيف‭ ‬وحرية‭ ‬التنقل‭.‬

في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬الواسع،‭ ‬تبنّت‭ ‬جميع‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬سياسة‭ ‬المقاربة‭ ‬غير‭ ‬الإدماجية‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬اللاجئين‭ ‬ضيوفاً‭ ‬مؤقتين‭ ‬غير‭ ‬مرغوب‭ ‬بهم؛‭ ‬فهي‭ ‬تحرمهم‭ ‬من‭ ‬وضعهم‭ ‬كلاجئين،‭ ‬ومن‭ ‬حقوقهم‭ ‬الأساسية،‭ ‬وتعتبرهم‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬عبئاً‭ ‬وخطراً‭ ‬محتملاً‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬الدولة‭ ‬وسلامتها‭. ‬وتتحكّم‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬السياسات‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الحالات‭ ‬اعتبارات‭ ‬اقتصادية،‭ ‬وسياسية،‭ ‬وأمنية،‭ ‬وديموغرافية‭ ‬وثقافية‭. ‬وبينما‭ ‬تنشغل‭ ‬بلدان‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬أساساً‭ ‬بالمحافظة‭ ‬على‭ ‬أنظمة‭ ‬الحوكمة‭ ‬وتوزيع‭ ‬الثروة‭ ‬فيها،‭ ‬فإن‭ ‬دول‭ ‬المشرق‭ ‬مهتمة‭ ‬أولاً‭ ‬بالتحديات‭ ‬المستقبلية‭ ‬التي‭ ‬سيطرحها‭ ‬اللاجئون‭ ‬الوافدون‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬السياسي‭ ‬بين‭ ‬الجماعات‭ ‬الطائفية‭ ‬والإثنية،‭ ‬وكذلك‭ ‬بالأعباء‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للعناية‭ ‬بأعداد‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬الوافدين‭ ‬إلى‭ ‬البلدان‭ ‬المضيفة‭ ‬ذات‭ ‬الموارد‭ ‬الآخذة‭ ‬بالنضوب‭.‬

وفي‭ ‬حين‭ ‬تعتبر‭ ‬بلدان‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬في‭ ‬مقدّمة‭ ‬الدول‭ ‬الأكثر‭ ‬إسهاماً‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬المساعدة‭ ‬للعمليات‭ ‬الإنسانية‭ ‬لمعالجة‭ ‬نتائج‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬سورية،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬الأكثر‭ ‬مقاومة‭ ‬لمنح‭ ‬صفة‭ ‬اللاجئ‭ ‬للأشخاص‭ ‬الهاربين‭ ‬من‭ ‬النزاعات‭ ‬التي‭ ‬تحفل‭ ‬بها‭ ‬المنطقة‭. ‬ويتّفق‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬مع‭ ‬قوانين‭ ‬التجنيس‭ ‬الحمائية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭. ‬ففي‭ ‬العام‭ ‬2015،‭ ‬أسهمت‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬بمبلغ‭ ‬88‭.‬8‭ ‬مليون‭ ‬دولار،‭ ‬والكويت‭ ‬ﺑِ313‭.‬6‭ ‬مليون‭ ‬دولار،‭ ‬والإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬ﺑِ71‭.‬9‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬للعمليات‭ ‬الإنسانية‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بالأزمة‭ ‬السورية،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬العناية‭ ‬باللاجئين‭.‬11‭ ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬دولاً‭ ‬عدة‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬تحاجج‭ ‬بأنها‭ ‬استضافت‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬والطلاب‭ ‬السوريين‭ ‬المهاجرين‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬2011،‭ ‬فإن‭ ‬أياً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬البلدان‭ ‬لم‭ ‬يمنح‭ ‬صفة‭ ‬اللاجئ‭ ‬للسوريين‭ ‬الهاربين‭ ‬من‭ ‬الصراع‭.‬12‭ ‬وقد‭ ‬أشارت‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬منحت‭ ‬تصاريح‭ ‬دخول‭ ‬ﻟِ2‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬سوري‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬2011،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الباحثين‭ ‬بيّنوا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬لا‭ ‬تدعمها‭ ‬البيانات‭ ‬الرسمية،‭ ‬وقدّروا‭ ‬العدد‭ ‬الفعلي‭ ‬بما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬420‭ ‬ألف‭ ‬تصريح‭.‬13

في‭ ‬المشرق،‭ ‬يستضيف‭ ‬لبنان‭ ‬والأردن،‭ ‬الذي‭ ‬تجمعه‭ ‬حدود‭ ‬مشتركة‭ ‬مع‭ ‬العراق‭ ‬وفلسطين‭ ‬وسورية،‭ ‬العدد‭ ‬الأكبر‭ ‬عالمياً‭ ‬من‭ ‬اللاجئين‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬حصة‭ ‬الفرد‭.‬14‭ ‬ولكلٍّ‭ ‬من‭ ‬الدولتين‭ ‬تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬استقبال‭ ‬اللاجئين،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬موجات‭ ‬من‭ ‬الأرمن،‭ ‬والفلسطينيين‭ ‬والعراقيين‭. ‬وفي‭ ‬كلا‭ ‬البلدين،‭ ‬لازالت‭ ‬مخيمات‭ ‬اللاجئين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬موجودة‭ ‬منذ‭ ‬إقامتها‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعين‭ ‬عاماً‭ ‬كملاجئ‭ ‬مؤقتة‭ ‬للهاربين‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬النزاع،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬كلا‭ ‬الدولتين‭ ‬لم‭ ‬توقعّا‭ ‬على‭ ‬اتفاقية‭ ‬اللاجئين‭ ‬أو‭ ‬البروتوكول‭ ‬المتعلق‭ ‬بهم‭.‬15‭ ‬وبينما‭ ‬دُمج‭ ‬الأرمن‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬هربوا‭ ‬إليها،‭ ‬واستقروا‭ ‬أساساً‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬وسورية،‭ ‬فالأردن‭ ‬هي‭ ‬الدولة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬منحت‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬حقوق‭ ‬الجنسية‭ ‬كاملةً،‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬سكان‭ ‬الأردن‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬فلسطينية‭.‬16‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬آلافاً‭ ‬منهم،‭ ‬من‭ ‬غزة‭ ‬بصورة‭ ‬أساسية،‭ ‬لم‭ ‬يجرِ‭ ‬تجنيسهم‭ ‬ولازالوا‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أوضاع‭ ‬مزرية،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬مخيّم‭ ‬جرش‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬نحو‭ ‬30000‭ ‬لاجئ،17‭ ‬بينما‭ ‬سحبت‭ ‬السلطات‭ ‬الأردنية،‭ ‬الجنسية‭ ‬اعتباطاً‭ ‬من‭ ‬آخرين‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭.‬18‭ ‬ولم‭ ‬يدمج‭ ‬لبنان‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬الذين‭ ‬يعيش‭ ‬174‭ ‬ألفاً‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬اثني‭ ‬عشر‭ ‬مخيماً‭ ‬في‭ ‬البلاد،19‭ ‬حيث‭ ‬تفرض‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬تحركاتهم‭ ‬ويحصلون‭ ‬على‭ ‬القليل‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التعليم،‭ ‬والصحة،‭ ‬والتوظيف‭.‬20‭ ‬ومن‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬يسوء‭ ‬الوضع‭ ‬عندما‭ ‬ينقطع‭ ‬التمويل‭ ‬والدعم‭ ‬الدوليان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وكالة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لإغاثة‭ ‬وتشغيل‭ ‬اللاجئين‭ (‬الأونروا‭).‬21‭ ‬أما‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬في‭ ‬سورية،‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬إخراجهم‭ ‬خلال‭ ‬السنتين‭ ‬الماضيتين،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قامت‭ ‬قوات‭ ‬الحكومية‭ ‬السورية‭ ‬بمحاصرة‭ ‬مقرهم‭ ‬الرئيس‭ ‬وهو‭ ‬مخيم‭ ‬اليرموك‭.‬22

تتحمّل‭ ‬الدولتان‭ ‬الآن‭ ‬نصيباً‭ ‬غير‭ ‬متكافئ‭ ‬من‭ ‬العناية‭ ‬بالعدد‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬اللاجئين‭. ‬فقد‭ ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬لبنان‭ ‬من‭ ‬4‭.‬4‭ ‬ملايين‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬5.9‭ ‬ملايين‭ ‬نسمة‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬سنتين‭ ‬جراء‭ ‬تدفق‭ ‬اللاجئين،‭ ‬مافرض‭ ‬ضغوطاً‭ ‬هائلة‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحكومية،‭ ‬والمجتمعات‭ ‬المحلية،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬مثل‭ ‬المياه،‭ ‬والكهرباء،‭ ‬والمدارس،‭ ‬والمرافق‭ ‬الصحية‭.‬23‭ ‬وفي‭ ‬الأردن،‭ ‬تكشّفت‭ ‬تطوّرات‭ ‬مماثلة‭ ‬حين‭ ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬السكان‭ ‬بما‭ ‬يقارب‭ ‬87‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬بين‭ ‬العامين‭ ‬2005‭ ‬و2016،‭ ‬وأغلب‭ ‬هذه‭ ‬الزيادة‭ ‬السكانية‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الأردنيين،‭ ‬بخاصة‭ ‬العراقيين‭ ‬ثم‭ ‬السوريين‭ ‬الذين‭ ‬هربوا‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬التي‭ ‬احتدمت‭ ‬في‭ ‬البلدين‭.‬24‭ ‬ويحتل‭ ‬البلدان‭ ‬المرتبة‭ ‬الأولى‭ ‬ثم‭ ‬المرتبة‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬حصة‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬اللاجئين‭ ‬في‭ ‬العالم؛‭ ‬فلبنان‭ ‬يستضيف‭ ‬164‭ ‬لاجئاً‭ ‬لكل‭ ‬1000‭ ‬شخص‭ ‬من‭ ‬السكان،‭ ‬بينما‭ ‬يستضيف‭ ‬الأردن‭ ‬71‭ ‬لاجئاً‭ ‬لكل‭ ‬1000‭.‬25

تسبّبت‭ ‬الزيادة‭ ‬السريعة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬السكان‭ ‬بانخفاض‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الخدمات،‭ ‬وتفاقم‭ ‬الضغوط‭ ‬القائمة‭ ‬أصلاً‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والبيئية‭ (‬مثل‭ ‬شح‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬أدّت‭ ‬إلى‭ ‬تزايد‭ ‬النزوح‭ ‬نحو‭ ‬المدينة‭. ‬وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يقيم‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬نصف‭ ‬غير‭ ‬الأردنيين‭ ‬في‭ ‬عمّان،‭ ‬ما‭ ‬وسّع‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‭ ‬جيوب‭ ‬الفقر‭ ‬الحضري‭ ‬وزاد‭ ‬من‭ ‬تردي‭ ‬حالة‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الحضرية،‭ ‬وفي‭ ‬قدرة‭ ‬الحكومة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمات‭ ‬المطلوبة‭.‬26‭ ‬و‭ ‬للاستجابة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة،‭ ‬تبنّت‭ ‬الدولتان‭ ‬سياسات‭ ‬مماثلة‭ ‬متشدّدة‭ ‬تجاه‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‭. ‬ويعود‭ ‬ذلك،‭ ‬بالتحديد،‭ ‬إلى‭ ‬العبء‭ ‬المالي‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬رعاية‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬المُدقعين،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الهموم‭ ‬الجديّة‭ ‬حول‭ ‬مخاطر‭ ‬التغيّر‭ ‬في‭ ‬الميزان‭ ‬الديموغرافي‭. ‬فبينما‭ ‬يتخوف‭ ‬الأردنيون‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية‭ ‬من‭ ‬التحوّل‭ ‬إلى‭ ‬أقلية،‭ ‬فإن‭ ‬اللبنانيين‭ ‬يساورهم‭ ‬القلق‭ ‬من‭ ‬التداعيات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تنجم‭ ‬عن‭ ‬اختلال‭ ‬التوازن‭ ‬الديموغرافي‭ ‬الطائفي‭.‬27‭ ‬وهكذا،‭ ‬فرضت‭ ‬الدولتان‭ ‬قيوداً‭ ‬مشددة‭ ‬على‭ ‬منح‭ ‬وتجديد‭ ‬تصاريح‭ ‬الإقامة‭. ‬ويقتصر‭ ‬الآن‭ ‬نفاذ‭ ‬اللاجئين‭ ‬إلى‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية‭ ‬مثل‭ ‬التعليم،‭ ‬والصحة،‭ ‬والاستخدام،‭ ‬والمساعدة‭ ‬القانونية‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭ ‬على‭ ‬المُسجلين‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يملكون‭ ‬وثائق‭ ‬قانونية‭.‬28‭ ‬ومثل‭ ‬هذه‭ ‬القيود‭ ‬تدفع‭ ‬اللاجئين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يعتمدوا‭ ‬اعتماداً‭ ‬كبيراً‭ ‬على‭ ‬المعونات‭ ‬الدولية‭.‬

تحويل‭ ‬الاتفاق‭ ‬العالمي‭ ‬إلى‭ ‬ترتيبات‭ ‬مُلزمة

لمعالجة‭ ‬هذه‭ ‬النواقص‭ ‬والثغرات،‭ ‬ينبغي‭ ‬على‭ ‬أعضاء‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬يدرسوا‭ ‬تحويل‭ ‬الاتفاق‭ ‬العالمي‭ ‬للعام‭ ‬2018‭ ‬لوضع‭ ‬‮«‬الإطار‭ ‬الشامل‭ ‬للاستجابة‭ ‬للاجئين‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬مُلزمة‭ ‬تتمتّع‭ ‬بآلية‭ ‬تنفيذية‭ ‬ذات‭ ‬مصداقية‭.‬29‭ ‬ويحاول‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬الدولي،‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬استجابةً‭ ‬لأزمة‭ ‬اللاجئين‭ ‬الراهنة،‭ ‬التخفيف‭ ‬من‭ ‬تأثيراتها،‭ ‬وفي‭ ‬بلدان‭ ‬خطوط‭ ‬المواجهة‭ ‬بصورة‭ ‬خاصة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المشاركة‭ ‬المنصفة‭ ‬في‭ ‬الأعباء‭ ‬والمسؤولية‭.‬30

نظراً‭ ‬إلى‭ ‬تعقّد‭ ‬الصراعات‭ ‬الراهنة‭ ‬وصعوبة‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬سياسية‭ ‬معقولة‭ ‬لها‭ ‬وتنفيذها،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬الإطار‭ ‬الشامل‭ ‬للاستجابة‭ ‬للاجئين‮»‬‭ ‬يُعطي‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬الفرصة‭ ‬للمطالبة‭ ‬بدعم‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬ولسنوات‭ ‬عدة،‭ ‬يتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬الإغاثة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ويشمل‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬مجالي‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭.‬31‭ ‬ستتجلّى‭ ‬هذه‭ ‬الالتزامات‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬عدة‭ ‬في‭ ‬‮«‬منتدى‭ ‬اللاجئين‭ ‬العالمي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يُعقد‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوزاري‭ ‬مرة‭ ‬كل‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭. ‬وقد‭ ‬أعربت‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬اللبنانية‭ ‬عن‭ ‬اهتمامها‭ ‬بهذا‭ ‬الجانب‭ ‬من‭ ‬الاتفاق‭ ‬العالمي‭. ‬كما‭ ‬أبدى‭ ‬الأردن‭ ‬اهتمامه‭ ‬بتطوير‭ ‬أدوات‭ ‬دولية‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬تحمل‭ ‬الأعباء،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬وثيقة‭ ‬العقد‮»‬‭ ‬مع‭ ‬الأردن‭ ‬العام‭ ‬2016‭ ‬الذي‭ ‬جرى‭ ‬تبنيه‭ ‬بالشراكة‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬بهدف‭ ‬فتح‭ ‬فرص‭ ‬الاستخدام‭ ‬للاجئين‭ ‬السوريين،‭ ‬مقابل‭ ‬تيسير‭ ‬الصادرات‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬ودعم‭ ‬المشاريع‭ ‬التنموية‭.‬32‭ ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الوثيقة‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬الأهداف‭ ‬المتوخاة‭ ‬منها،‭ ‬وهي‭ ‬توفير‭ ‬200‭ ‬ألف‭ ‬تصريح‭ ‬عمل‭ (‬تقول‭ ‬التقارير‭ ‬إن‭ ‬37‭ ‬ألف‭ ‬سوري‭ ‬فقط‭ ‬حصلوا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التصاريح‭ ‬العام‭ ‬2017،33‭ ‬بينما‭ ‬سمح‭ ‬لسبع‭ ‬شركات‭ ‬فقط‭ ‬بالتصدير‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭)‬34‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬ستنفذ‭ ‬بها‭. ‬لكن‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تطوير‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬عملية‭ ‬يسيرة‭ ‬وفعّالة‭.‬

في‭ ‬وسع‭ ‬‮«‬الإطار‭ ‬الشامل‭ ‬للاستجابة‭ ‬للاجئين‮»‬‭ ‬أن‭ ‬يسمح‭ ‬للمنطقة‭ ‬العربية‭ ‬بتحويل‭ ‬أزمة‭ ‬اللاجئين‭ ‬إلى‭ ‬فرصة،‭ ‬ذلك‭ ‬إن‭ ‬سعى‭ ‬إلى‭ ‬تدبير‭ ‬الحلول‭ ‬لدعم‭ ‬البلدان‭ ‬المضيفة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفس‭ ‬لدى‭ ‬اللاجئين،‭ ‬والإعلاء‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬عودتهم‭ ‬بأمان‭ ‬وكرامة‭ ‬إلى‭ ‬موطنهم‭ ‬الأصلي،‭ ‬مع‭ ‬تيسير‭ ‬السبل‭ ‬الكفيلة‭ ‬بإعادة‭ ‬توطينهم‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬ثالث‭. ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬السعي‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬‮«‬الإطار‭ ‬الشامل‭ ‬للاستجابة‭ ‬للاجئين‮»‬‭ ‬يتفق‭ ‬في‭ ‬أهدافه‭ ‬مع‭ ‬مطالب‭ ‬الدول‭ ‬المضيفة‭.‬35‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬آليات‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬تحمل‭ ‬الأعباء‭ ‬إلى‭ ‬تأثيرات‭ ‬إيجابية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬نفسها،‭ ‬حيث‭ ‬ستعزز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬الخدمات،‭ ‬وتطوير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وتشجيع‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬

تحسين‭ ‬التعاون‭ ‬الإقليمي‭ ‬الفرعي

تُعتبر‭ ‬الاستجابات‭ ‬بين‭ ‬الحكومات‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الإقليمي‭ ‬الفرعي‭ ‬أداة‭ ‬أساسية‭ ‬ينبغي‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬استخدامها‭ ‬لتخفيف‭ ‬حدة‭ ‬الأزمة‭. ‬لتحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف،‭ ‬يساند‭ ‬‮«‬الإطار‭ ‬الشامل‭ ‬للاستجابة‭ ‬للاجئين‮»‬‭ ‬استحداث‭ ‬آليات‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإقليمي‭ ‬والإقليمي‭ ‬الفرعي‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬تحدي‭ ‬اللاجئين؛‭ ‬وسيسمح‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬بمزيد‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬التفاعلي‭ ‬بين‭ ‬الأردن،‭ ‬ولبنان‭ ‬وكذلك‭ ‬تركيا،‭ ‬حول‭ ‬الخيارات‭ ‬السياسية‭. ‬وقد‭ ‬يشمل‭ ‬هذا‭ ‬التعاون‭ ‬تقييماً‭ ‬مشتركاً‭ ‬للاحتياجات،‭ ‬ودعوة‭ ‬جماعية‭ ‬لالتزام‭ ‬عالمي‭ ‬بتمويل‭ ‬المشاريع‭ ‬الإنسانية‭ ‬وإيجاد‭ ‬حلول‭ ‬مستدامة‭ ‬للأزمة‭.‬

إن‭ ‬الأمثلة‭ ‬العالمية‭ ‬توحي‭ ‬بأن‭ ‬البروتوكولات‭ ‬والاتفاقيات‭ ‬الإقليمية‭ ‬طبّقت‭ ‬بنجاح‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أفريقية‭ ‬وأميركية‭ ‬لاتينية‭ ‬لمواجهة‭ ‬تحديات‭ ‬مماثلة‭. ‬كانت‭ ‬اتفاقية‭ ‬كمبالا‭ ‬التي‭ ‬تبناها‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأفريقي‭ ‬العام‭ ‬2012‭ ‬مَعْلماً‭ ‬أساسياً‭ ‬لحماية‭ ‬اللاجئين‭ ‬والنازحين‭ ‬محلياً‭ ‬في‭ ‬أفريقيا،‭ ‬وحدّدت‭ ‬مسؤوليات‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬هؤلاء‭ ‬وندّدت‭ ‬بالترحيل‭ ‬العشوائي‭ ‬بأشد‭ ‬العبارات‭.‬36‭ ‬وبالمثل،‭ ‬فإن‭ ‬إعلان‭ ‬كارتاغينا‭ ‬الذي‭ ‬تبناه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬اللاتينية‭ ‬أعاد‭ ‬تأكيد‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬نصت‭ ‬عليها‭ ‬اتفاقية‭ ‬العام‭ ‬1951،‭ ‬ولكنه‭ ‬أدخل‭ ‬عليها‭ ‬تعديلات‭ ‬لمواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الإقليمية‭ ‬المتوطّنة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬توسيع‭ ‬تعريف‭ ‬اللاجئين‭ ‬بحيث‭ ‬يشمل‭ ‬الأفراد‭ ‬الهاربين‭ ‬من‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬يسيطر‭ ‬عليها‭ ‬العنف‭ ‬الذي‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬انتشاره‭ ‬عصابات‭ ‬قطاع‭ ‬الطرق‭.‬37

تطوير‭ ‬برنامج‭ ‬لأصحاب‭ ‬المصالح‭ ‬المتعددين

يستدعي‭ ‬حجم‭ ‬أزمة‭ ‬اللاجئين‭ ‬وعمق‭ ‬تأثيراتها‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬والمتوسط‭ ‬والطويل‭ ‬على‭ ‬السلام‭ ‬والازدهار‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬انخراط‭ ‬جميع‭ ‬قطاعات‭ ‬المجتمع‭ ‬المعنية‭ ‬في‭ ‬بلورة‭ ‬خطط‭ ‬متكاملة‭ ‬ومتعددة‭ ‬الجوانب‭ ‬للاستجابة‭ ‬لمسألة‭ ‬اللاجئين‭. ‬ويشمل‭ ‬ذلك‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية،‭ ‬ومنظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬والمجالس‭ ‬البلدية،‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬والقطاع‭ ‬الخاص‭.‬

قد‭ ‬تؤدي‭ ‬خطة‭ ‬متكاملة‭ ‬إلى‭ ‬الإقلال‭ ‬من‭ ‬ازدواجية‭ ‬المبادرات‭ ‬بين‭ ‬المنظمات‭ ‬المختلفة‭. ‬وستنظر‭ ‬هذه‭ ‬الخطة‭ ‬وأمثالها‭ ‬في‭ ‬تداعيات‭ ‬الأزمة‭ ‬ومضاعفاتها‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الجبهات،‭ ‬مثل‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬التعليم‭ ‬بالنسبة‭ ‬للاجئين،‭ ‬وإلى‭ ‬فرص‭ ‬العمل،‭ ‬واحتياجات‭ ‬بناء‭ ‬القدرات‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬المحلي‭ ‬لموظفي‭ ‬الحكومة‭ ‬الذين‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬اللاجئين،‭ ‬والحملات‭ ‬العامة‭ ‬السلبية‭ ‬حول‭ ‬اللاجئين،‭ ‬التي‭ ‬لاتتسبّب‭ ‬سوى‭ ‬في‭ ‬تقويض‭ ‬التماسك‭ ‬الاجتماعي‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬تواجه‭ ‬الجهود‭ ‬التعاونية‭ ‬بين‭ ‬المنافذ‭ ‬الإعلامية‭ ‬ومراكز‭ ‬البحوث‭ ‬حملات‭ ‬التضليل‭ ‬المعاكس‭ ‬حول‭ ‬عدد‭ ‬اللاجئين‭ ‬الفعلي‭ ‬أو‭ ‬تأثيرهم‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬القطاعات‭ ‬الموجهة‭ ‬للخدمات‭.‬38‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬والمنظمات‭ ‬المحلية‭ ‬غير‭ ‬الحكومية،‭ ‬قد‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬القدرات‭ ‬لموظفي‭ ‬البلديات‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬الخطوط‭ ‬الأمامية‭ ‬للأزمة‭ ‬وتُسهم،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬في‭ ‬جهود‭ ‬تسليم‭ ‬الخدمات‭. ‬ويمكن‭ ‬لشركات‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬تلعب‭ ‬دوراً‭ ‬أكثر‭ ‬تفاعلاً‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬الأنسب‭ ‬للاجئين،‭ ‬بحيث‭ ‬تقلل‭ ‬اعتمادهم‭ ‬على‭ ‬مساعدة‭ ‬الحكومة‭ ‬أو‭ ‬المنظمات‭ ‬غير‭ ‬الحكومية‭.‬39

يتعيّن‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬يلتزم‭ ‬بدعم‭ ‬أوسع‭ ‬نطاقاً‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬معونات‭ ‬الإغاثة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ويشمل‭ ‬ذلك‭ ‬دعماً‭ ‬تنموياً‭ ‬للدول‭ ‬المضيفة‭ ‬لإعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬شبكات‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬وتوسيعها‭ ‬وإنعاش‭ ‬اقتصادات‭ ‬تلك‭ ‬البلدان‭. ‬وينبغي‭ ‬أن‭ ‬ترافق‭ ‬هذه‭ ‬المعونات‭ ‬التزامات‭ ‬قوية‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المضيفة‭ ‬بتمكين‭ ‬اللاجئين‭ ‬اقتصادياً‭ ‬عبر‭ ‬تأمين‭ ‬وصولهم‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬وتحسين‭ ‬أوضاعهم‭ ‬المعيشية‭. ‬وبدوره،‭ ‬سيمكّن‭ ‬ذلك‭ ‬اللاجئين‭ ‬من‭ ‬المساهمة‭ ‬بشكل‭ ‬إيجابي‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬المجتمعات‭ ‬المحلية‭ ‬والاقتصاد‭.‬

إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬السلطة‭ ‬والموارد‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الوطني

صاغ‭ ‬النشاط‭ ‬السياسي‭ ‬المحلّي،‭ ‬وكذلك‭ ‬سياسات‭ ‬الحكومات‭ ‬المركزية،‭ ‬مقاربات‭ ‬البلديات‭ ‬لأزمة‭ ‬اللاجئين‭. ‬وقد‭ ‬تركت‭ ‬المقاربة‭ ‬اللادمجية،‭ ‬التي‭ ‬تتحكّم‭ ‬بها‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الأمنية‭ ‬تجاه‭ ‬اللاجئين‭ ‬والتي‭ ‬تبنتها‭ ‬الحكومتان‭ ‬المركزيتان‭ ‬في‭ ‬الأردن‭ ‬ولبنان،‭ ‬للبلديات‭ ‬في‭ ‬خط‭ ‬المواجهة‭ ‬مهمة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬تدفّق‭ ‬اللاجئين‭. ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬فتحت‭ ‬الباب،‭ ‬ولاسيما‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬أمام‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬لتتولى‭ ‬أدواراً‭ ‬جديدة،‭ ‬بخاصة‭ ‬في‭ ‬الناحية‭ ‬الأمنية،‭ ‬ولتستخدم‭ ‬دعم‭ ‬المانحين‭ ‬الدوليين‭ ‬لبناء‭ ‬قدراتها‭ ‬وتعزيز‭ ‬أوضاعها‭ ‬المالية‭. ‬وأدّى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تباين‭ ‬في‭ ‬الإجراءات‭ ‬المتّخذة‭ ‬محلياً‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬احتياجات‭ ‬اللاجئين‭.‬

أسهمت‭ ‬عوامل‭ ‬عدة‭ ‬في‭ ‬كلا‭ ‬البلدين،‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الاستجابات‭ ‬المحلية‭.‬40‭ ‬فقد‭ ‬فاقمت‭ ‬الأزمة‭ ‬من‭ ‬تحديات‭ ‬الحوكمة‭ ‬البنيوية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬بالغة‭ ‬التمركز‭ ‬والنفاذ‭ ‬المحدود‭ ‬إلى‭ ‬تمويل‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬للبلديات‭.‬41‭ ‬وفي‭ ‬الأردن،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تتطلّب‭ ‬أصغر‭ ‬القرارات‭ ‬وأذون‭ ‬الإنفاق‭ ‬توقيعات‭ ‬من‭ ‬الوزارات‭ ‬المعنية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬طرد‭ ‬موظف‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬البلديات‭ ‬من‭ ‬العاملين‭ ‬وفق‭ ‬عقود‭ ‬عمل‭ ‬دائمة‭ ‬يتطلّب‭ ‬موافقة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭. ‬ويتفاقم‭ ‬الوضع‭ ‬لأن‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬توزّع‭ ‬التمويل‭ ‬على‭ ‬البلديات‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬إيراداتها‭ ‬الضريبية‭ (‬في‭ ‬الأردن‭) ‬أو‭ ‬تعداد‭ ‬السكان‭ ‬المسجلين‭ (‬في‭ ‬لبنان‭) ‬لا‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬السكان‭ ‬المقيمين‭ ‬فيها‭ ‬أو‭ ‬احتياجاتها‭ ‬التنموية‭. ‬ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬آخر‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬التمويل‭ ‬يُخصّص‭ ‬للبلديات‭ ‬الأكثر‭ ‬ثراء‭.‬42‭ ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬صلاحيات‭ ‬البلديات‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بقضايا‭ ‬التنمية‭ ‬والأمن‭ ‬غامضة‭ ‬في‭ ‬أحسن‭ ‬الحالات،‭ ‬ولاسيما‭ ‬في‭ ‬لبنان‭. ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬البلديات،‭ ‬مثلاً،‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬مسؤولياتها‭ ‬تتضمن‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬الأفراد‭ ‬السوريين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يخالفون‭ ‬شروط‭ ‬الإقامة‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬مديرية‭ ‬الأمن‭ ‬العام‭.‬43

ازدادت‭ ‬حدة‭ ‬هذه‭ ‬المشاكل‭ ‬البنيوية‭ ‬القائمة‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬بعيد‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬جراء‭ ‬الشلل‭ ‬السياسي‭ ‬الأخير‭ ‬الذي‭ ‬ضرب‭ ‬البلاد،‭ ‬وتجلى‭ ‬في‭ ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬انتخاب‭ ‬رئيس‭ ‬للجمهورية‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬سنتين‭ (‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2014‭ ‬و2016‭). ‬ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ثمة‭ ‬سياسة‭ ‬واضحة‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬تجاه‭ ‬اللاجئين،‭ ‬ولاسيما‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭.‬44‭ ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬فرضت‭ ‬بلديات‭ ‬عديدة‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬حركات‭ ‬اللاجئين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حظر‭ ‬التجول‭ ‬ليلاً،‭ ‬فإن‭ ‬بلديات‭ ‬أخرى‭ ‬وفرت‭ ‬لهم‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭. ‬وبينما‭ ‬طردت‭ ‬بعض‭ ‬البلديات‭ ‬اللاجئين‭ ‬الذي‭ ‬يكفلهم‭ ‬أفراد‭ ‬لايقيمون‭ ‬داخل‭ ‬حدودها‭ ‬الإدارية،‭ ‬استطاعت‭ ‬بلديات‭ ‬أخرى‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬دولي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬سخية‭ ‬تجاه‭ ‬اللاجئين‭. ‬واعتمدت‭ ‬البلديات‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬حركات‭ ‬اللاجئين‭ ‬على‭ ‬البلاغات‭ ‬والتعميمات‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬الوحدات‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬أقامتها‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬والبلديات‭.‬45‭ ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬فرضت‭ ‬بلدية‭ ‬كفر‭ ‬رمان‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬لبنان‭ ‬إجراءات‭ ‬مشدّدة،‭ ‬مثل‭ ‬حرمان‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‭ ‬الذين‭ ‬لايقيم‭ ‬كفلاؤهم‭ ‬في‭ ‬البلدة‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬الأماكن‭ ‬العامة،‭ ‬فإن‭ ‬بلديات‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬بلدية‭ ‬زغرتا‭ ‬اتخذت‭ ‬إجراءات‭ ‬أكثر‭ ‬حذراً‭ ‬عندما‭ ‬رفضت‭ ‬فرض‭ ‬حظر‭ ‬التجول‭ ‬أو‭ ‬استيفاء‭ ‬رسوم‭ ‬إقامة‭ ‬من‭ ‬اللاجئين‭ ‬لم‭ ‬ينص‭ ‬عليها‭ ‬القانون‭.‬46

في‭ ‬المقابل،‭ ‬اتّضحت‭ ‬معالم‭ ‬السياسات‭ ‬الأردنية‭ ‬تجاه‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‭ ‬في‭ ‬خطة‭ ‬الاستجابة‭ ‬لأزمة‭ ‬اللاجئين‭ ‬التي‭ ‬وضعتها‭ ‬الحكومة‭ ‬وتولت‭ ‬تنفيذها‭ ‬جميع‭ ‬المؤسسات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة،‭ ‬ما‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬استجابة‭ ‬منهجية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬البلديات‭ ‬الأردنية‭.‬47‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬أُنشئت‭ ‬مديرية‭ ‬محدّدة‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬مديرية‭ ‬شؤون‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‮»‬‭ ‬لتنسيق‭ ‬المسائل‭ ‬المتصلة‭ ‬باللاجئين‭ ‬في‭ ‬البلاد‭.‬48‭ ‬وخلافاً‭ ‬للوضع‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬فإن‭ ‬الشرطة‭ ‬لا‭ ‬البلديات‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬حركة‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‭ ‬الذين‭ ‬لايحملون‭ ‬وثائق‭ ‬هوية‭ ‬صالحة‭.‬49

أسهمت‭ ‬اعتبارات‭ ‬مناطقية‭ ‬خاصة،‭ ‬وكذلك‭ ‬علاقات‭ ‬عشائرية‭ ‬أو‭ ‬طائفية،‭ ‬مثل‭ ‬شخصية‭ ‬المحافظ‭ ‬أو‭ ‬المختار‭ ‬بدور‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬طبيعة‭ ‬الاستجابات‭ ‬المحلية‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬بلدية‭ ‬المفرق،‭ ‬مثلا،‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحا‭ ‬تجاه‭ ‬اللاجئين‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬الأردن‭. ‬ويعود‭ ‬ذلك،‭ ‬جزئياً،‭ ‬إلى‭ ‬علاقات‭ ‬القربى‭ ‬التي‭ ‬تربطها‭ ‬ببلدة‭ ‬درعا‭ ‬السورية‭. ‬وفي‭ ‬لبنان،‭ ‬كانت‭ ‬البلديات‭ ‬التي‭ ‬يُهمين‭ ‬عليها‭ ‬السنة‭ ‬هي‭ ‬الأقل‭ ‬تشدّداً‭ ‬مقارنةً‭ ‬مع‭ ‬البلديات‭ ‬التي‭ ‬يسيطر‭ ‬عليها‭ ‬الشيعة‭ ‬والمسيحيون‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتطبيق‭ ‬حظر‭ ‬التجول‭. ‬ويعود‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬منه،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أغلبية‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬السنّة‭.‬50‭ ‬وعنى‭ ‬هذا‭ ‬التنوّع‭ ‬في‭ ‬استجابات‭ ‬البلديات‭ ‬أن‭ ‬تأثير‭ ‬اللاجئين‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬البلديات‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬متماثلاً‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬المرجّح‭ ‬أن‭ ‬يستقر‭ ‬اللاجئون‭ ‬في‭ ‬نواحٍ‭ ‬أكثر‭ ‬ودّاً‭ ‬وحفاوة‭ ‬نحوهم،‭ ‬بخاصة‭ ‬إذا‭ ‬واجهتهم‭ ‬إجراءات‭ ‬مشدّدة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭. ‬ونتيجةً‭ ‬لذلك،‭ ‬واجهت‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬التخلّص‭ ‬من‭ ‬النفايات،‭ ‬وشبكات‭ ‬المياه،‭ ‬وكذلك‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬بينما‭ ‬ظلّت‭ ‬مواردها‭ ‬المالية‭ ‬محدودة‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬البلديات‭ ‬الأقل‭ ‬حفاوة‭.‬

أثّرت‭ ‬مواقف‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬غير‭ ‬الحكومية‭ ‬التي‭ ‬حدّدتها،‭ ‬جزئياً،‭ ‬أطر‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬للتعاون،‭ ‬على‭ ‬حوكمة‭ ‬البلديات‭. ‬فبينما‭ ‬زادت‭ ‬الأزمة‭ ‬مما‭ ‬تحصله‭ ‬البلديات‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬مالية‭ ‬وبناء‭ ‬للقدرات‭ ‬من‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬غير‭ ‬الحكومية،‭ ‬فإن‭ ‬تمركز‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬وزارات‭ ‬معينة‭ ‬قوّض‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬السياسات‭ ‬المنبثقة‭ ‬عن‭ ‬الاحتياجات‭ ‬المحلية‭.‬51

تعاني‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬البلديات‭ ‬من‭ ‬شحّ‭ ‬الموارد،‭ ‬ولاتسيطر‭ ‬على‭ ‬تمويلها‭ ‬إلا‭ ‬بصورة‭ ‬محدودة،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬اجتذاب‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬الكفؤ‭ ‬المطلوب‭ ‬لمواجهة‭ ‬الضغوط‭ ‬المتعاظمة‭ ‬على‭ ‬خدماتها‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأثناء،‭ ‬فإن‭ ‬الوزارات‭ ‬القيادية‭ ‬التي‭ ‬تختارها‭ ‬الحكومتان‭ ‬اللبنانية‭ ‬والأردنية‭ ‬بوصفها‭ ‬هي‭ ‬المحاور‭ ‬الرئيس‭ ‬مع‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬ليست،‭ ‬على‭ ‬الأغلب،‭ ‬هي‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬كانت‭ ‬الوزارات‭ ‬القيادية‭ ‬التي‭ ‬تتولى‭ ‬الاستجابة‭ ‬لأزمة‭ ‬اللاجئين‭ ‬السورية‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬والأردن،‭ ‬على‭ ‬التوالي،‭ ‬وزارة‭ ‬الشؤون‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ووزارة‭ ‬التخطيط‭ ‬والتعاون‭ ‬الدولي،52‭ ‬وليست‭ ‬الوزارات‭ ‬التي‭ ‬تُشرف‭ ‬على‭ ‬الشؤون‭ ‬البلدية‭ (‬وهي‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬والشؤون‭ ‬البلدية‭ ‬على‭ ‬التوالي‭).‬53‭ ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬الخطط‭ ‬الأردنية‭ ‬والسورية‭ ‬للاستجابة‭ ‬للأزمة‭ ‬تعترف‭ ‬بأهمية‭ ‬دعم‭ ‬البلديات‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬بناء‭ ‬القدرات‭ ‬وتزويد‭ ‬الخدمات،‭ ‬تفتقر‭ ‬هاتان‭ ‬الخطتان‭ ‬إلى‭ ‬الآلية‭ ‬المحددة‭ ‬بوضوح‭ ‬للتنسيق‭ ‬بين‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬غير‭ ‬الحكومية‭ ‬والبلديات‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشاريع‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬التخطيط‭ ‬للاستجابة‭ ‬كذلك‭.‬54

كان‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬البلديات‭ ‬واجهت‭ ‬مسائل‭ ‬عدة‭ ‬في‭ ‬تعاملها‭ ‬مع‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬غير‭ ‬الحكومية‭. ‬ففي‭ ‬لبنان،‭ ‬شعر‭ ‬رؤساء‭ ‬البلديات،‭ ‬أن‭ ‬مقاربة‭ ‬الطوارئ‭ ‬لهذه‭ ‬المنظمات‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬لم‭ ‬تعالج‭ ‬احتياجات‭ ‬مواقعهم‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬55‭ ‬ورأوا‭ ‬أن‭ ‬برنامج‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬تطرحه‭ ‬تلك‭ ‬المنظمات‭ ‬قد‭ ‬وضع‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الحالات‭ ‬وفق‭ ‬أولويات‭ ‬المانحين‭ ‬لا‭ ‬حسب‭ ‬الاحتياجات‭ ‬المحلية،‭ ‬وأدركوا‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تنفذ‭ ‬مقاربة‭ ‬نموذجية‭ ‬واحدة‭ ‬لأزمة‭ ‬اللاجئين‭ ‬تصلح‭ ‬لجميع‭ ‬الحالات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تمييز،‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الاعتبارات‭ ‬المحلية‭. ‬وبدأت‭ ‬الشكوك‭ ‬تساور‭ ‬بعض‭ ‬البلديات‭ ‬تجاه‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬غير‭ ‬الحكومية،‭ ‬وساد‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأنها‭ ‬إنما‭ ‬تتعاون‭ ‬مع‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬لمجرد‭ ‬جمع‭ ‬البيانات‭ ‬وليس‭ ‬لأغراض‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬والتخطيط‭ ‬الشامل‭.‬56

دمج‭ ‬خطط‭ ‬العمل‭ ‬وتوحيدها

ينبغي‭ ‬على‭ ‬الحكومة‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الوطني‭ ‬أن‭ ‬تشجّع‭ ‬على‭ ‬قيام‭ ‬مقاربة‭ ‬مدمجة‭ ‬متكاملة‭ ‬لمواجهة‭ ‬أزمة‭ ‬اللاجئين،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬خطة‭ ‬عمل‭ ‬شمولية‭ ‬تحدد‭ ‬العناصر‭ ‬الرئيسة‭ ‬للتحديات‭ ‬المتصلة‭ ‬بالأزمة‭. ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬تتضمن‭ ‬هذه‭ ‬الخطة‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية‭ ‬وأصحاب‭ ‬المصالح‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬تداعيات‭ ‬تدفق‭ ‬اللاجئين،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬الجماعات‭ ‬المُضيفة‭ ‬واللاجئون‭ ‬أنفسهم‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬التعاون‭ ‬الوثيق‭ ‬مع‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية،‭ ‬والقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬والصحافة،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬تستطيع‭ ‬هذه‭ ‬الخطة‭ ‬حماية‭ ‬حقوق‭ ‬اللاجئين،‭ ‬وتحسين‭ ‬مستوى‭ ‬الرعاية‭ ‬لهم‭ ‬وتأثيرهم‭ ‬الإيجابي‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬والارتقاء‭ ‬بالتماسك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بالتصدي‭ ‬للأخبار‭ ‬السلبية‭ ‬المزيفة‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬تأثيرات‭ ‬اللجوء‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬المضيفة‭.‬

إشراك‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬السياسات‭ ‬حول‭ ‬اللاجئين

من‭ ‬واجب‭ ‬الوزارات‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬الحكومة‭ ‬المحلية‭ ‬أن‭ ‬تبذل‭ ‬قصارى‭ ‬جهدها‭ ‬لإقامة‭ ‬منصة‭ ‬للبلديات‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثراً‭ ‬بأزمة‭ ‬اللاجئين؛‭ ‬منصة‭ ‬تتيح‭ ‬لها‭ ‬مناقشة‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها،‭ ‬وتعلُّم‭ ‬بعضها‭ ‬من‭ ‬بعض،‭ ‬وتجميع‭ ‬مواردها‭ ‬المالية‭ ‬والبشرية،‭ ‬وتقديم‭ ‬نفسها‭ ‬بوصفها‭ ‬جبهة‭ ‬موحدة‭ ‬في‭ ‬النقاشات‭ ‬الوطنية‭ ‬أو‭ ‬جولات‭ ‬رسم‭ ‬السياسات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بوجود‭ ‬اللاجئين‭. ‬ستخلق‭ ‬هذه‭ ‬المنصة‭ ‬كذلك‭ ‬منفذاً‭ ‬واحداً‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الوزارات‭ ‬التنفيذية‭ ‬الأخرى،‭ ‬وكذلك‭ ‬مع‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬تريد‭ ‬التشاور‭ ‬مع‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬حول‭ ‬تعميم‭ ‬السياسات‭ ‬المتعلقة‭ ‬باللاجئين‭. ‬وتستطيع‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المنصة‭ ‬أن‭ ‬تخلق‭ ‬فرصة‭ ‬للبلديات‭ ‬لمناقشة‭ ‬أولويات‭ ‬استثماراتها‭ ‬العامة‭ ‬بأساليب‭ ‬تفيد‭ ‬اللاجئين‭ ‬وتلبي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬احتياجات‭ ‬البلديات‭ ‬التنموية‭. ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬ستُتيح‭ ‬للمنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬فرصة‭ ‬التنسيق‭ ‬مع‭ ‬البلديات‭ ‬خلال‭ ‬مختلف‭ ‬مراحل‭ ‬الاستجابة‭ ‬للاجئين،‭ ‬أي‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬التخطيط‭ ‬مروراً‭ ‬بالرقابة‭ ‬والتقييم‭ ‬ووصولاً‭ ‬إلى‭ ‬التنفيذ‭. ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك،‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬غير‭ ‬الحكومية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والبلديات‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬وييسر‭ ‬بالتالي‭ ‬تعاون‭ ‬البلديات‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬المنظمات‭.‬

توفير‭ ‬الحوافز‭ ‬المالية

ينبغي‭ ‬تقديم‭ ‬حوافز‭ ‬للبلديات‭ ‬التي‭ ‬تستضيف‭ ‬أعداداً‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬اللاجئين‭. ‬وقد‭ ‬تتوفّر‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحوافز‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬السماح‭ ‬للبلديات‭ ‬التي‭ ‬تستضيف‭ ‬اللاجئين‭ ‬بالاحتفاظ‭ ‬بنسبة‭ ‬أعلى‭ ‬مما‭ ‬تجبيه‭ ‬من‭ ‬ضرائب‭. ‬وقد‭ ‬تشمل‭ ‬الخيارات‭ ‬الأخرى‭ ‬قيام‭ ‬الحكومات‭ ‬المركزية‭ ‬بتحويل‭ ‬المال‭ ‬إلى‭ ‬البلديات‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬احتياجاتها‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬قاعدتها‭ ‬الضريبية‭ ‬الأساسية‭.‬57

تمكين‭ ‬التخطيط‭ ‬الإقليمي

علاوةً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يجب‭ ‬منح‭ ‬البلديات‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬الصلاحيات‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمات‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬التخطيط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬كذلك‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تطوير‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التخطيط،‭ ‬سيتيح‭ ‬المجال‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬تحمّل‭ ‬الأعباء‭ ‬بين‭ ‬البلديات‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬آنذاك‭ ‬أن‭ ‬تجمع‭ ‬الموارد‭ ‬وتوحّدها،‭ ‬ليتسنى‭ ‬لها‭ ‬التعامل‭ ‬بصورة‭ ‬أفضل‭ ‬مع‭ ‬السياسات‭ ‬الخاصة‭ ‬بكل‭ ‬منها‭. ‬ولتحقيق‭ ‬ذلك،‭ ‬ينبغي‭ ‬على‭ ‬الحكومات‭ ‬المركزية‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬إطاراً‭ ‬مؤسسياً‭ ‬للتخطيط‭ ‬الإقليمي‭ ‬والتنسيق‭ ‬بين‭ ‬البلديات‭. ‬وعندما‭ ‬تتوفر‭ ‬قدرات‭ ‬التخطيط‭ ‬والتنفيذ‭ ‬المحسّنة،‭ ‬فمن‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬غير‭ ‬الحكومية‭ ‬كشريك‭ ‬فعلي‭ ‬مع‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭. ‬يُضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تعزيز‭ ‬كفاءة‭ ‬الحوكمة‭ ‬المحلية‭ ‬يتطلّب‭ ‬من‭ ‬الحكومات‭ ‬الوطنية‭ ‬والبرلمانات‭ ‬تبسيط‭ ‬الإجراءات‭ ‬واستحداث‭ ‬تدابير‭ ‬واضحة‭ ‬للتدقيق‭ ‬لتحاشي‭ ‬الفساد‭ ‬عندما‭ ‬تحدث‭ ‬زيادة‭ ‬مفاجئة‭ ‬على‭ ‬طلب‭ ‬الخدمات‭.‬58

حماية‭ ‬حقوق‭ ‬اللاجئين‭: ‬استكشاف‭ ‬حلول‭ ‬دائمة

إن‭ ‬ندرة‭ ‬الحلول‭ ‬الدائمة‭ ‬لأزمة‭ ‬اللاجئين،‭ ‬يتطلّب‭ ‬مقاربة‭ ‬شجاعة‭ ‬وابتكارية‭. ‬والحلول‭ ‬المطروحة‭ ‬حاليا‭ ‬والتي‭ ‬تتضمن‭ ‬في‭ ‬العادة‭ ‬ثلاثة‭ ‬خيارات‭ ‬أساسية‭- ‬الإعادة‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬الأصلي،‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬التوطين،‭ ‬أو‭ ‬الدمج‭ ‬المحلي‭- ‬لا‭ ‬تقدّم‭ ‬حلًا‭ ‬مستداماً‭ ‬لنزوح‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬أوطانهم‭. ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬حالة‭ ‬اللاجئين‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

والأرجح‭ ‬أن‭ ‬خيار‭ ‬الإعادة‭ ‬الطوعية‭ ‬الجماعية‭ ‬إلى‭ ‬سورية‭ ‬لن‭ ‬يبرز‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أخذنا‭ ‬بالاعتبار‭ ‬استمرار‭ ‬التحديات‭ ‬الأمنية‭ ‬والسياسية‭ ‬المتعددة‭. ‬وهي‭ ‬تشمل‭ ‬قانون‭ ‬التجنيد‭ ‬الإجباري‭ ‬الذي‭ ‬يرغم‭ ‬الشباب‭ ‬البالغين‭ ‬حتى‭ ‬سن‭ ‬الثانية‭ ‬والأربعين‭ ‬على‭ ‬الالتحاق‭ ‬بالجيش،59‭ ‬وإجراءات‭ ‬التدقيق‭ ‬التي‭ ‬يفرضها‭ ‬النظام،60‭ ‬إضافةً‭ ‬إلى‭ ‬التدمير‭ ‬الواسع‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬المدن‭ ‬السورية‭.‬61‭ ‬وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬اللاجئين‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬الذين‭ ‬جاء‭ ‬نحو‭ ‬70‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬منهم‭ ‬أساساً‭ ‬من‭ ‬محافظات‭ ‬حمص،‭ ‬وإدلب،‭ ‬وريف‭ ‬دمشق‭ ‬وحلب،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يطرح‭ ‬تحديات‭ ‬مهمة،‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬المحافظات‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬المواقع‭ ‬الأكثر‭ ‬تضرّراً‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭.‬62‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬الرقم‭ ‬10‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬مؤخراً‭ ‬وسمح‭ ‬بتصنيف‭ ‬الأراضي‭ ‬كمناطق‭ ‬تنظيمية‭ ‬لإعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬يمثّل‭ ‬تهديداً‭ ‬لأملاك‭ ‬اللاجئين‭ ‬الخاصة‭.‬63‭ ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬الأسد‭ ‬أصدر‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬عفواً‭ ‬رئاسياً‭ ‬عن‭ ‬العسكريين‭ ‬الهاربين‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭ ‬العسكرية‭ ‬ومن‭ ‬التجنيد‭ ‬الإجباري،‭ ‬شرط‭ ‬أن‭ ‬يسلّموا‭ ‬أنفسهم‭ ‬لممثّلي‭ ‬النظام‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬أربعة‭ ‬وستة‭ ‬أشهر‭ ‬ويقضوا‭ ‬سنتين‭ ‬في‭ ‬الخدمة‭ ‬الفعلية،‭ ‬فإن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬السوريين‭ ‬يتخوّفون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العفو،‭ ‬شأنه‭ ‬شأن‭ ‬صفقات‭ ‬المصالحة،‭ ‬سيستخدم‭ ‬لإيداعهم‭ ‬السجن‭ ‬أو‭ ‬للحكم‭ ‬عليهم‭ ‬بالإعدام‭. ‬وتبرز‭ ‬عقبات‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬اللاجئين‭ ‬الراغبين‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬مواطنهم‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أو‭ ‬السودان،‭ ‬حيث‭ ‬تعترض‭ ‬سبيلهم‭ ‬تحديات‭ ‬محددة‭ ‬أخرى‭ ‬تتعلّق‭ ‬بجوانب‭ ‬طائفية‭ ‬أو‭ ‬إثنية‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬والنزوح‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬السلطة‭ ‬المركزية‭.‬

منذ‭ ‬العام‭ ‬2015،‭ ‬باتت‭ ‬عملية‭ ‬إعادة‭ ‬التوطين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬وغربية‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬باطّراد،‭ ‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مستحيلة‭. ‬وقد‭ ‬أسهم‭ ‬السياسيون‭ ‬الشعبويون‭ ‬والأحداث‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬تضييق‭ ‬الخناق‭ ‬على‭ ‬سياسة‭ ‬الهجرة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭.‬64‭ ‬وتحرص‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬على‭ ‬الابقاء‭ ‬على‭ ‬المهاجرين‭ ‬السوريين‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬المجاورة‭ ‬لها‭. ‬ويتجلى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الصفقة‭ ‬المبرمة‭ ‬بين‭ ‬تركيا‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬التي‭ ‬وافقت‭ ‬بها‭ ‬تركيا‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬طالبي‭ ‬اللجوء‭ ‬الذين‭ ‬جرى‭ ‬ترحيلهم‭ ‬من‭ ‬اليونان‭ ‬مقابل‭ ‬ستة‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬المعونات‭. ‬وبالمثل،‭ ‬فإن‭ ‬مساهمة‭ ‬بلدان‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬اللاجئين‭ ‬لازالت‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬المعونات‭ ‬الإنسانية‭.‬65‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬بروز‭ ‬بعض‭ ‬المرونة‭ ‬تجاه‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين،‭ ‬فإن‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬لم‭ ‬تعط‭ ‬أية‭ ‬إشارة‭ ‬على‭ ‬استعدادها‭ ‬لتغيير‭ ‬سياساتها‭ ‬الخاصة‭ ‬باللجوء‭.‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬اللاجئين،‭ ‬لا‭ ‬جدوى‭ ‬هناك‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬خيار‭ ‬الدمج‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬المضيفة‭. ‬ففي‭ ‬لبنان‭. ‬رفض‭ ‬المسؤولون‭ ‬في‭ ‬الدوائر‭ ‬الحكومية‭ ‬رفضاً‭ ‬قاطعاً‭ ‬مجرد‭ ‬ذكر‭ ‬مسألة‭ ‬تجنيس‭ ‬اللاجئين،66‭ ‬لأنهم‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬سيقوّض‭ ‬التوازن‭ ‬الديموغرافي‭ ‬الطائفي‭ ‬الهش‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬وقد‭ ‬حمل‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬اللبناني‭ ‬جبران‭ ‬باسيل‭ ‬مؤخراً‭ ‬على‭ ‬المفوضية‭ ‬السامية‭ ‬لشؤون‭ ‬اللاجئين‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لدعوتها‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬إلى‭ ‬احترام‭ ‬العودة‭ ‬الطوعية،‭ ‬واتّهمها‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬منظمة‭ ‬تعمل‭ ‬ضد‭ ‬سياسة‭ (‬لبنان‭) ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬التجنيس‭ ‬وإلى‭ ‬إعادة‭ ‬النازحين‭ ‬إلى‭ ‬بلادهم‮»‬‭.‬67‭ ‬كما‭ ‬أعلن‭ ‬باسيل‭ ‬خلال‭ ‬رحلة‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬مؤخراً‭ ‬إلى‭ ‬روسيا‭ ‬لمناقشة‭ ‬عودة‭ ‬اللاجئين،‭ ‬أن‭ ‬‮«‬لبنان‭ ‬يرفض‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬عودة‭ ‬اللاجئين‭ ‬والحل‭ ‬السياسي‭ [‬في‭ ‬سورية‭]‬‮»‬‭.‬68‭ ‬وفي‭ ‬تركيا،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬رحبت‭ ‬بأعداد‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬اللاجئين‭ ‬السوريين‭ ‬وجنّست‭ ‬12‭ ‬ألفاً‭ ‬منهم،‭ ‬وصل‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬المطالبة‭ ‬بعودة‭ ‬اللاجئين‭ ‬السريعة،‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاختلافات‭ ‬الثقافية‭.‬69

أخيراً،‭ ‬تحدّ‭ ‬السياسات‭ ‬المشدّدة‭ ‬على‭ ‬الحدود،‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬الدول‭ ‬المضيفة‭ ‬المجاورة‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬اللاجئين‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬سورية‭ ‬وإليها،‭ ‬وتعيق‭ ‬عودة‭ ‬اللاجئين‭ ‬بصورة‭ ‬آمنة‭ ‬وسلسة‭ ‬ومتواصلة‭. ‬وتشير‭ ‬أمثلة‭ ‬من‭ ‬سياقات‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬اللاجئين‭ ‬إلى‭ ‬أوطانهم‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬متواترة،‭ ‬وليست‭ ‬نهائية‭ ‬على‭ ‬الفور‭. ‬فمن‭ ‬ناحية،‭ ‬يقوم‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬أحياناً‭ ‬برحلات‭ ‬متعددة‭ ‬إلى‭ ‬بلدهم‭ ‬الأصلي‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الأوضاع‭ ‬آمنة‭ ‬فيه،‭ ‬ولتأمين‭ ‬الترتيبات‭ ‬الضرورية‭ ‬لعودة‭ ‬العائلة‭.‬70‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬ثانية،‭ ‬فإن‭ ‬الرأي‭ ‬ينقسم‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬داخل‭ ‬العائلة‭ ‬الواحدة‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يريدون‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬المضيف‭ ‬لسبب‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬التخوّف‭ ‬الأمني،‭ ‬ومواصلة‭ ‬التعليم،‭ ‬أو‭ ‬العمل،‭ ‬ومن‭ ‬يعودون‭ ‬إلى‭ ‬أوطانهم‭ ‬ليجربوا‭ ‬حظهم‭ ‬هناك‭.‬71‭ ‬وهذه‭ ‬الحركة،‭ ‬جيئة‭ ‬وذهاباً‭ ‬تتيح‭ ‬للعائلات‭ ‬الفرصة‭ ‬لتحقيق‭ ‬مصادر‭ ‬عدة‭ ‬للدخل‭ ‬لأن‭ ‬بعض‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬قد‭ ‬يحاولون‭ ‬مزاولة‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬بلدهم‭ ‬الأصلي‭ ‬بينما‭ ‬يبقى‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬الآخرون‭ ‬في‭ ‬المنفى‭ ‬لمتابعة‭ ‬التعليم‭ ‬أو‭ ‬للمعالجة‭ ‬الطبية‭. ‬وتقوم‭ ‬المفوضية‭ ‬السامية‭ ‬لشؤون‭ ‬اللاجئين‭ ‬التابعة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر‭ ‬برفع‭ ‬صفة‭ ‬اللجوء‭ ‬عن‭ ‬اللاجئين‭ ‬حالما‭ ‬يعبرون‭ ‬الحدود‭ ‬عائدين‭ ‬غلى‭ ‬بلدانهم‭ ‬الأصلية‭.‬72

في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تضيق‭ ‬فيه‭ ‬الخيارات‭ ‬أمام‭ ‬اللاجئين‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة،‭ ‬وتتخذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬العسكرية‭ ‬مرتبة‭ ‬الأولوية‭ ‬على‭ ‬الحلول‭ ‬السياسية،‭ ‬يتوجّب‭ ‬على‭ ‬أصحاب‭ ‬المصلحة‭ ‬والأطراف‭ ‬المعنية‭ ‬الأخرى‭ ‬أن‭ ‬يبحثوا‭ ‬عن‭ ‬حل‭ ‬سياسي‭ ‬دائم‭ ‬يشمل‭ ‬عودة‭ ‬اللاجئين‭ ‬آمنين‭ ‬إلى‭ ‬أوطانهم،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ضمانات‭ ‬سياسية‭ ‬وامنية‭ ‬ضرورية‭. ‬وليس‭ ‬في‭ ‬وسع‭ ‬أي‭ ‬مقاربة‭ ‬إنسانية‭ ‬بحتة‭ ‬تتجاهل‭ ‬الجذور‭ ‬السياسية‭ ‬لأزمة‭ ‬اللاجئين‭ ‬أن‭ ‬تواجه‭ ‬التحديات‭ ‬البنيوية‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬عودتهم‭ ‬الجماعية‭ ‬الطوعية‭. ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬يتزايد‭ ‬شعور‭ ‬اللاجئين‭ ‬بأنهم‭ ‬محاصرون‭ ‬في‭ ‬مصيدة‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬مضيفة‭ ‬تحاول‭ ‬ترحيلهم‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ورحلة‭ ‬العودة‭ ‬المحفوفة‭ ‬بالمخاطر‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،73‭ ‬يتعيّن‭ ‬بذل‭ ‬جهود‭ ‬دؤوبة‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬للتخفيف‭ ‬من‭ ‬الأوضاع‭ ‬البائسة‭ ‬التي‭ ‬يواجهها‭ ‬اللاجئون‭ ‬على‭ ‬جانبي‭ ‬الحدود‭. ‬ويجب‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الخطة‭ ‬أن‭ ‬تحاول‭ ‬تخفيف‭ ‬الأعباء‭ ‬التي‭ ‬تتحمّلها‭ ‬الدول‭ ‬المضيفة‭ ‬وتحسين‭ ‬المستويات‭ ‬المعيشية‭ ‬للاجئين‭ ‬وللمجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تستضيفهم‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬مع‭ ‬ضمان‭ ‬حقوق‭ ‬اللاجئين‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬الطوعية‭ ‬إلى‭ ‬بلدانهم‭ ‬الأصلية‭. ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬زيادة‭ ‬المعونة‭ ‬المخصصة‭ ‬للتنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وللبنية‭ ‬التحتية‭ ‬وتوسيع‭ ‬نطاقها‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬المواجهة‭. ‬وتهدف‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬إلى‭ ‬الارتقاء‭ ‬بأوضاع‭ ‬اللاجئين‭ ‬المعيشية‭ ‬وزيادة‭ ‬مساهمتهم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الإيجابية‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬المضيفة‭. ‬وبصورة‭ ‬موازية،‭ ‬يجب‭ ‬اتخاذ‭ ‬خطوات‭ ‬ملموسة‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬السياسي‭ ‬لضمان‭ ‬الأمن‭ ‬والسلامة‭ ‬للعائدين‭.‬

حماية‭ ‬حق‭ ‬العودة

إن‭ ‬السياسات‭ ‬والإجراءات‭ ‬التي‭ ‬اتخذها‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬حول‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية‭ ‬والحركة‭ ‬داخل‭ ‬سورية،‭ ‬تفرض‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر‭ ‬شروطاً‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬عودة‭ ‬الملايين‭ ‬إلى‭ ‬وطنهم‭. ‬وفيما‭ ‬يتوجب‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬الإبعاد‭ ‬والعودة‭ ‬الطوعية‭ ‬بوصفهما‭ ‬عنصرين‭ ‬أساسيين‭ ‬في‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭ ‬الدولي‭ ‬الخاص‭ ‬باللاجئين،‭ ‬فإنه‭ ‬ينبغي‭ ‬التأكيد‭ ‬بالقدر‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬العودة‭. ‬ويجب‭ ‬على‭ ‬أصحاب‭ ‬المصلحة‭ ‬والمعنيين‭ ‬الدوليين،‭ ‬وبخاصة‭ ‬المانحين‭ ‬المحتملين‭ ‬لإعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬في‭ ‬سورية،‭ ‬مثل‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬أن‭ ‬يصعّدوا‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الحكومة‭ ‬السورية‭ ‬لإلغاء‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬عودة‭ ‬اللاجئين‭. ‬وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الأولوية،‭ ‬إلغاء‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬قانون‭ ‬التجنيد‭ ‬الإجباري،‭ ‬وإجراءات‭ ‬التحقّق،‭ ‬وقوانين‭ ‬الملكية،‭ ‬ليتسنى‭ ‬للاجئين‭ ‬العودة‭ ‬المأمونة‭ ‬والمستدامة‭ ‬إلى‭ ‬بلدهم‭. ‬فيما‭ ‬تُتَّخذ‭ ‬فيه‭ ‬إجراءات‭ ‬مشدّدة‭ ‬ضد‭ ‬اللاجئين‭ ‬على‭ ‬جانبَي‭ ‬الحدود،‭ ‬يصبح‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬المعلومات‭ ‬القانونية‭ ‬ضرورياً‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬اللاجئين‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المقام،‭ ‬تستطيع‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬أن‭ ‬تساعد‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬كوادر‭ ‬من‭ ‬المحامين‭ ‬أو‭ ‬المساعدين‭ ‬الحقوقيين‭ ‬السوريين‭ ‬الذين‭ ‬سيتعرفون‭ ‬على‭ ‬الأطر‭ ‬القانونية‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬وعلى‭ ‬الحقوق‭ ‬التي‭ ‬تضمنها‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الدولية‭.‬74‭ ‬وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬قوانين‭ ‬التطور‭ ‬الحضري،‭ ‬فإن‭ ‬في‭ ‬وسع‭ ‬الخبراء‭ ‬إبلاغ‭ ‬اللاجئين‭ ‬بحقوقهم،‭ ‬وبخاصة‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬منها‭ ‬بالإسكان،‭ ‬والأراضي،‭ ‬والملكية؛‭ ‬ومن‭ ‬المرجّح‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحقوق‭ ‬ستكون‭ ‬من‭ ‬جملة‭ ‬المنازعات‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الصراع‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬سيمكّن‭ ‬اللاجئين‭ ‬من‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬متبصّر‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬سورية،‭ ‬طالما‭ ‬ظلت‭ ‬التشريعات‭ ‬محفوفة‭ ‬بالغموض‭ ‬والتعقيد‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتدقيق‭ ‬وحقوق‭ ‬الملكية‭.‬

بما‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬سورية‭ ‬سيظل‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬غير‭ ‬مؤكّد‭ ‬وغير‭ ‬مستقر،‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحروب‭ ‬الحالية،‭ ‬ستسمح‭ ‬الحركة‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭ ‬للاجئين‭ ‬باتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬متبصّر‭ ‬وواعٍ‭ ‬حول‭ ‬العودة‭ ‬بصورة‭ ‬دائمة‭ ‬إلى‭ ‬مناطقهم‭ ‬الأصلية،‭ ‬ويجب‭ ‬السماح‭ ‬لهم‭ ‬بعبور‭ ‬الحدود‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬محددة‭ ‬بينما‭ ‬يحتفظون‭ ‬بصفتهم‭ ‬كلاجئين‭. ‬وخلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬الزمنية،‭ ‬سيقل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬المعونات‭ ‬تدريجياً‭ ‬عندما‭ ‬يستعيد‭ ‬اللاجئون‭ ‬أسلوب‭ ‬معيشتهم‭ ‬السابق‭ ‬المعتاد‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬معين‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الحركة‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭ ‬ستسمح‭ ‬للاجئين‭ ‬بتنويع‭ ‬مواردهم،‭ ‬ولذلك‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬خلال‭ ‬حالات‭ ‬النزاع‭ ‬المتطاول،‭ ‬عندما‭ ‬تميل‭ ‬المساعدات‭ ‬إلى‭ ‬الانخفاض‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬وتبرز‭ ‬إلى‭ ‬الصدارة‭ ‬صراعات‭ ‬أخرى‭ ‬أحدث‭ ‬عهداً‭.‬75

Please follow and like us:
Pin Share

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *