كتب المحلل محمد قيراط غداة قيام الثورات العربية « تفاءل كثيرون بالربيع العربي وبالتغييرات التي شهدتها كل من تونس وليبيا وزحف الإسلاميين على البرلمان في المغرب وحراك سياسي نحو التغيير والقطيعة مع الفساد في كل من الجزائر وموريتانيا. فالكل كان ينتظر ربيعا لاتحاد المغرب العربي ومستقبلا زاهرا لشعوب المنطقة. هل ستستفيد دول المنطقة من هذه الأحداث لترى اتحاد الشعوب الذي يحقق التكامل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي. هل سيساعد النظام الجديد في تونس وفي ليبيا في إيجاد إستراتيجية جديدة لبعث الاتحاد وإخراجه من حالة الاحتضار التي يعاني منها إلى حالة من النشاط والحيوية والتعاون والتكامل بين دوله؟»
يعتبر الاتحاد المغاربي النموذج الأمثل لفشل العمل المشترك بين مجموعة من الدول تتقاسم اللغة والدين والتاريخ وأشياء أخرى كثيرة. دول الاتحاد تنعم بخيرات وإمكانيات ووسائل تمكنها من التكامل فيما بينها لتنعم باقتصاد قوي وبأنظمة اجتماعية وثقافية وسياسية فعالة ورشيدة. الواقع يقول إن الاتحاد المغاربي يعتبر من أكبر التكتلات السياسية فشلا في التاريخ المعاصر. الرئيس التونسي الاسبق المنصف المرزوقي بعد تسلمه الحكم زار دول المنطقة وأعلن عازما ومتفائلا وحازما أنه سيغير مجريات الأحداث وسينفخ الروح في الاتحاد المغاربي ووعد بقمة مغاربية في سنة 2012، لكن شيئا لم يتجسد في الميدان من أقوال ووعود المرزوقي. فرغم الربيع العربي والتغيرات التي شهدتها المنطقة ما زال الاتحاد المغاربي يحتضر وأصبح يوما بعد يوم يفقد حتى أسباب ودواعي وجوده.
أيعقل أن نتكلم عن اتحاد مغاربي والحدود مغلقة بين أكبر دولتين في الاتحاد والتي تضمان فيما بينهما أكثر من 80 مليون نسمة. هل يعقل أن لا تتجاوز التجارة البينية بين دول الاتحاد 4%؟ ماذا عن الربط الكهربائي؟ ماذا عن سكة حديدية تسافر عبرها شعوب المنطقة من الرباط إلى نواقشوط مرورا بالجزائر وليبيا وتونس ؟ ماذا عن التعرفة الجمركية؟ ماذا عن التكامل في المجال الزراعي والصناعي؟ ماذا عن التعليم العالي والبحث العلمي؟ والقائمة قد تطول وشعوب المنطقة طال انتظارها في عصر التكتلات والكيانات الإقليمية. فالاتحاد عجز حتى عن تنظيم كأس الاتحاد المغاربي لكرة القدم للأمم أو للفرق الفائزة بالكأس أو البطولة. المنطق يقول أن التغييرات التي شهدتها المنطقة في الفترة الأخيرة تبشر بالخير وتؤشر لربيع على مستوى الممارسة السياسية والديمقراطية وصناعة القرار. وإذا شاركت الشعوب المغاربية في الفعل السياسي فإنها وبدون أدنى شك ستعمل على التكامل بين الدول الخمس بما يعود بالفائدة على المنطقة برمتها. فالمنطقة مؤهلة بثرواتها وخيراتها ومواردها المادية والبشرية للنجاح والتكامل الاقتصادي. بطبيعة الحال كل شيء سيتوقف على نجاح المرحلة الانتقالية في كل من تونس وليبيا ونية السياسيين وصناع القرار في كل من الجزائر والمغرب وموريتانيا في خدمة شعوبهم بدلا من الاستثمار في الخلافات والوضع الراهن من أجل الاستمرار في السلطة.
فالاتحادات والتحالفات بين الدول نجحت بفضل الديمقراطية ونجحت بفضل الحكم الرشيد والاستغلال الأمثل للثروات المادية و البشرية في كل قطر على حدة ثم في الأقطار المتحالفة والمتحدة مجتمعة. فالاتحاد المغاربي بحاجة إلى دول مغاربية قوية بفضل الحكم الراشد والديمقراطية والتواصل الفعال بين القمة والقاعدة.
في الفترة ما قبل الربيع العربي كان هناك حكم تسلطي استبدادي في ليبيا وحكم فاسد في تونس. أما بالنسبة للجزائر والمغرب وموريتانيا فهناك حاجة ماسة إلى النظر إلى الأمور والمعطيات بمنطق جديد وهو منطق يقوم على احترام الحريات الفردية واحترام الشعب وإشراكه في العملية السياسية وفي صناعة مصيره ومستقبله. نجاح الاتحاد يتوقف على نجاح كل دولة على حدة فيما يتعلق بالمجتمع المدني، والفضاء العام والأحزاب السياسية والمعارضة والنظام الإعلامي الحر والمسئول والملتزم والفصل بين السلطات والقضاء العادل…الخ.
لقد حان الوقت بالنسبة لدول المنطقة أن تحارب الفساد وإهدار المال العام وعدم الاستغلال الرشيد للثروات المادية والبشرية. لقد حرك الربيع العربي المياه الراكدة ووجه إنذارا شديد اللهجة لتلك الأنظمة التي ما زالت بعيدة كل البعد عن شعوبها وعن الواقع وما زالت تعاني من فجوة كبيرة بين آليات الحكم التي تمارسها والواقع. لكن بعد مرور سنتين على الربيع العربي ما زال الاتحاد المغاربي يحتضر ومازالت أسباب أفوله تتفوق على أسباب نجاحه.
فرغم تحديات العولمة و تربصات الاتحاد الأوروبي بالدول المغاربية والتنافس الأوروبي الأمريكي على المنطقة، نلاحظ أن دول المغرب العربي لم تدرك حتى الساعة، أو بالأحرى لم تنجح في وضع آليات عملية للتكامل الاقتصادي و للعمل المشترك من أجل إقامة كيان موحد يستطيع أن يواجه التكتلات المختلفة في العالم.
العائق الصحرواي…
القضية الصحراوية و تعقدها بالنسبة للمملكة في المغرب و النظام في الجزائر كانت وما زالت الحجرة التي انكسرت عليها كل محاولات العمل المشترك بين دول الاتحاد. وهذا ما يتطلب دراسة هذه المشكلة وحلها في أقرب الآجال بطريقة ترضي الجميع ومن أجل مصلحة الجميع. الفعل الديمقراطي في دول الاتحاد مغيّب، و نلاحظ أن طاقات هائلة سواء كانت مادية أو بشرية غير مُستغلة بطريقة جيدة. فالقرار لا يُتخذ بطريقة مدروسة و علمية و السلطة تعيش بعيدة عن هموم ومطالب الشارع . النظام الإعلامي لا يقوم بدوره الحقيقي و ما يفعله هو التملق والتسبيح والتمجيد. فالفجوة إذن كبيرة جدا بين السلطة والجماهير، هذا على مستوى كل دولة في الاتحاد، فكيف تنجح هذه الدول في تحقيق عمل مشترك وهي عاجزة على تجسيد قواعد الديمقراطية داخل حدودها. فدول الاتحاد اليوم عاجزة على إنشاء شبكة سكك حديدية مشتركة ولا طريق سيار يربط دول المنطقة، و لا ربط كهربائي تستفيد منه كل دول الاتحاد.
ومن هنا فإن اتحاد الشعوب مغيّب تماما، و العمل المشترك بين دول الاتحاد نجده غائبا على مختلف المستويات سواء تعلق الأمر بالسياسة أو الاقتصاد أو التعليم أو الثقافة أو الرياضة…الخ. فبدون تكامل اقتصادي وبدون تبادل في مختلف المجالات بين شعوب المنطقة لا يُكتب النجاح للاتحاد المغاربي ويبقى بذلك جسد بلا روح. دول الاتحاد المغاربي بحاجة إلى وقفة مع الذات لتحديد آليات التغيير والتأقلم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين. التغيير لا بد منه و يجب أن يأتي من الداخل وبإيمان عميق من صانع القرار. فمستقبل الاتحاد المغاربي يكمن في تحرير المواطن المغاربي وإعطائه إمكانيات الابتكار والإبداع والتميز حتى يساهم بطريقة إيجابية وفعالة في بناء مستقبله ومصيره.
لقد حان الوقت أمام دول الاتحاد المغاربي لتعي أنها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الإصلاح والشروع في الديمقراطية والتخلي عن الآليات البالية السلطوية التعسفية، أو المحافظة على الوضع الراهن وهذا يعني الموت البطيء للاتحاد المغاربي والعمل المشترك والخنوع والخضوع للقوى الخارجية التي تتربص بالمنطقة.
فالسلطة الحقيقية تكمن في الشعب و ليس في أجهزة البوليس والمخابرات وقوات الردع. الأمر يتطلب إعادة ترتيب أوضاع دول الاتحاد بإجراء إصلاحات حقيقية على المستوى الداخلي لكل قطر وعلى مستوى العلاقات بين دول الاتحاد بما يحقق التنمية الشاملة والإصلاحات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والفكرية في إطار نظام مغاربي متكامل يقوم على الديمقراطية واحترام شعوبه بالدرجة الأولى واحترام الدول الأعضاء بدون مزايدة و لا مساومة. بعد مرور 32 سنة على إنشائه لم تتغير الأمور قيد أنملة بالنسبة للاتحاد المغاربي، وأقل ما يقال عن هذا التجمع أنه فقد سبب وجوده وأنه أصبح جسم بلا روح رغم التحديات العديدة والجسيمة التي تواجهها الدول المغاربية الخمس.
بطاقة تعريف بلا هوية…
اتحاد المغرب العربي UMA، أو الاتحاد المغاربي اتحاد إقليمي تأسس بتاريخ 17 فيفري 1989بمدينة مراكش بالمغرب. ويتألف من خمس دول تمثل في مجملها الجزء الغربي من العالم العربي وهي: المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا وموريتانيا. و ذلك من خلال التوقيع على ما سمي بمعاهدة إنشاء اتحاد المغرب العربي. ظهرت فكرة الاتحاد المغاربي قبل الاستقلال وتبلورت في أول مؤتمر للأحزاب المغاربية الذي عقد في مدينة طنجة بتاريخ 28-30/4/1958 والذي ضم ممثلين عن حزب الاستقلال المغربي والحزب الدستوري التونسي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية. وبعد الاستقلال كانت هناك محاولات نحو فكرة تعاون وتكامل دول المغرب العربي، مثل إنشاء اللجنة الاستشارية للمغرب العربي عام 1964 لتنشيط الروابط الاقتصادية بين دول المغرب العربي، وبيان جربة الوحدوي بين ليبيا وتونس عام 1974, ومعاهدة مستغانم بين ليبيا والجزائر, ومعاهدة الإخاء والوفاق بين الجزائر وتونس وموريتانيا عام 1983. وأخيرا اجتماع قادة المغرب العربي بمدينة زرالده في الجزائر يوم 10/6/1988, وإصدار بيان زرالده الذي أوضح رغبة القادة في إقامة الاتحاد المغاربي العربي وتكوين لجنة تضبط وسائل تحقيق وحدة المغرب العربي. و أعلن عن قيام اتحاد المغرب العربي في 17/2/1989 بمدينة مراكش من قبل خمس دول هي: المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا. وفيما يلي تعريف بالاتحاد من خلال المحاور التالية:
يهدف الاتحاد المغاربي إلى فتح الحدود بين الدول الخمسة لمنح حرية التنقل الكاملة للأفراد والسلع، والتنسيق الأمني، ونهج سياسة مشتركة في مختلف الميادين، والعمل تدريجيا على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال فيما بينها.
كذلك من مباديء اتحاد المغرب العربي أنه يهدف إلى:
- تمتين أواصر الاخوة التي تربط الدول الأعضاء وشعوبها بعضها ببعض ؛ تحقيق تقدم رفاهية مجتمعاتها والدفاع عن حقوقها ؛ 2- المساهمة في صيانة السلام القائم على العدل والإنصاف ؛ 3- نهج سياسة مشتركة في مختلف الميادين. 4-العمل تدريجيا على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال فيما بينها
وتهدف السياسة المشتركة المشار إليها أعلاه إلى تحقيق الأغراض التالية:
• في الميدان الدولي : تحقيق الوفاق بين الدول الأعضاء وإقامة تعاون دبلوماسي وثيق بينها يقوم على أساس الحوار.
• في ميدان الدفاع : صيانة استقلال كل دولة من الدول الأعضاء.
• في الميدان الاقتصادي : تحقيق التنمية الصناعية والزراعية والتجارية والاجتماعية للدول الأعضاء واتخاذ ما يلزم اتخاذه من وسائل لهذه الغاية، خصوصا بإنشاء مشروعات مشتركة وإعداد برامج عامة ونوعية في هذا الصدد.
• في الميدان الثقافي : إقامة تعاون يرمي إلى تنمية التعليم على كافة مستوياته وإلى الحفاظ على القيم الروحية والخلقية والمستمدة من تعاليم الإسلام السمحة وصيانة الهوية القومية العربية واتخاذ ما يلزم اتخاذه من وسائل لبلوغ هذه الأهداف، خصوصا بتبادل الأساتذة والطلبة وإنشاء مؤسسات جامعية وثقافية ومؤسسات متخصصة في البحث تكون مشتركة بين الدول الأعضاء.
الجامعة العربية، المازق الاخر…
فشلت جامعة الدول العربية في تحقيق غايتها منذ تأسيسها في عام 1945. وفي ذلك الوقت وقعت سبع دولٍ على ميثاقٍ في القاهرة، أعلن أن مهمته وضع حدٍ للأزمات الإقليمية، وتنسيق الأهداف السياسية وتعزيز النمو الاقتصادي. فقد كانت جامعة الدول العربية موحدةً في معارضتها للمشروع الصهيوني في فلسطين. وفي حين لا يزال هذا موقفها الرسمي اليوم، إلا أن الدول الأعضاء لم تتفق قط، تقريباً، حول كيفية معالجة هذا الصراع أو غيره في المنطقة. وعلى الرغم من ذلك، انضمت 22 دولة ناطقة باللغة العربية إلى الجامعة العربية منذ إنشائها، بما فيها فلسطين، التي تعترف بها المنظمة باعتبارها دولة.
ولكن، بدلاً من أن تتنازل كلٌ منها عن جزءٍ من سيادتها لحقيق غرضٍ جماعي، بات التحالف لا يختلف كثيراً عن كونه مجرد نادي أخوية للديكتاتوريين. تجلت أحد أبرز نقاط القصور خلال الغزو العراقي للكويت عام 1990. فقد أراد صدام حسين، الرئيس العراقي آنذاك، معاقبة الكويت لزيادة إنتاجها للنفط، الأمر الذي أدى إلى تدهور أسعار النفط في السوق وبات من الصعب على العراق بيع نفطه بسعر يناسب احتياجاته الاقتصادية.
كما رفضت الكويت أيضاً شطب ديون الحرب العراقية، ذلك أنه في الثمانينات، مولت الكويت جيش صدام في صراعه الذي استمر ما يقرب من عقدٍ من الزمان مع إيران. وفي هذا السياق، حاولت الجامعة العربية، إلا أنها فشلت، في التوصل إلى اتفاقٍ من شأنه معالجة المخاوف العراقية.
وعندما دخلت قوات صدام الأراضي الكويتية في 2 أوت 1990، أعاقت الانقسامات الداخلية الجامعة من اتخاذ إجراءاتٍ حاسمة. وبالتالي لجأت المملكة العربية السعودية إلى الولايات المتحدة الأمريكية لحماية المملكة من غزوٍ عراقي محتمل. وعليه، شنت الولايات المتحدة، بموافقةٍ سعودية، حملة قصفٍ ضد القوات العراقية.
فالعالم العربي لا يزال تحت رحمة القوى الإقليمية والعالمية، مما يدفع بالعديد من المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت جامعة الدول العربية قد حققت أي غرضٍ في الأساس. ويبدو أن هشام يوسف، الذي شغل منصب مدير مكتب الأمين العام للجامعة العربية لمدة ثماني سنوات، ثم مستشاراً للأمين العام لمدة ثلاث سنوات أخرى حتى عام 2013، يعتقد ذلك. فقد قال إن الجامعة العربية تواجه نفس المشكلة الاساسية تماماً كحال غيرها من الكتل مثل الاتحاد الاوروبي والاتحاد الافريقي.
وقال ايضا “إن أي مؤسسة من هذا النوع تعكس الإرادة السياسية للدول الأعضاء.” وأضاف “لذلك، لطالما كان السؤال المطروح هو ما مدى استعداد الدول الأعضاء للعمل معاً وحل [الأزمات] التي تعصف بهذه البلدان”.
الإجابة باختصار هي أن القادة العرب غير متحمسين للعمل يداً بيد. فقد كان الربيع العربي، على سبيل المثال، نقطة خلافٍ رئيسية. وبحسب يوسف، دعمت تونس الانتفاضات الشعبية التي افتتحت عصر الديمقراطية على أرضها.
وأضاف أن العديد من القادة لم يملكوا سيطرةً على بلدانهم عندما اجتاحت الثورات العالم العربي ذلك أن العديد من الحكومات استحوذت عليها شعوبها.
وقال “[ في ذلك الوقت] لم يكن هناك توافق واضح في الآراء [من جامعة الدول العربية] فيما يتعلق بموقفنا من الاضطرابات.”
ميثاق مع تاجيل التنفيذ…
جوهر ميثاق جامعة الدول العربية عبارة عن مفهوم متكامل من الوحدة العربية على أساس الثقافة المشتركة والخبرة التاريخية، لغة واحدة ودين واحد، وصراع موحّد ضد الهيمنة الأجنبية. جاء ذلك الجامعة الدول العربية الواسعة كرد فعل على تقسيم الدول في فترة ما بعد الحرب الاستعمارية وتوحيد الدول العربية ضد قيام الدولة اليهودية في فلسطين. ومن شأن وحدة الدول العربية خلق وطن قوي يمكنه مواجهة التهديدات في المنطقة. عام 1948، خاضت خمس دول الحرب الأولى ضد إسرائيل، أعقبها حروب أخرى عديدة في العقود الثلاثة التالية. ولكن مع تغير القوى الاقتصادية والعسكرية في العالم، ومع بدء الحرب الباردة، كانت الدول العربية تواجه تحديات جديدة. إلا أن التنافر بين الدول العربية بدأ مع ظهور قوة عالمية جديدة. التزمت الولايات المتحدة والقوى الاستعمارية القديمة بحماية دولة إسرائيل الجديدة، مع الأخذ بعين الاعتبار التداعيات الاستراتيجية للنفط في الشرق الأوسط. في كتاب “تاريخ الشعوب العربية” (1991)، يقول الباحث اللبناني البريطاني البارز “ألبير حوراني”: “أدى الضعف العسكري وتنامي المصالح المنفصلة والتبعية الاقتصادية إلى تفكك الجبهة المشتركة التي كانت تبدو فعلية حتى حرب عام 1973. وكان الخط الواضح الذي تفككت على طوله الجبهة هو نفسه الذي قسم الدول التي مالت نهائياً إلى الولايات المتحدة الأمريكية والتسوية السياسية مع إسرائيل والاقتصاد الرأسمالي الحر، والدول التي التزمت الحياد”.
اين القوة العسكرية الموحدة…؟
في أوائل مارس 2014، أعلن نبيل العربي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، عن الحاجة الماسة إلى إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة لمواجهة الإرهاب وغيرها من التهديدات التي تواجه الدول العربية. ولاقت هذه الدعوة الترحيب من قِبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي شدد على الحاجة لمثل هذا التحالف مشيراً إلى التهديدات المحدقة بسبب التطرف ومؤكداً دعم كل من المملكة العربية السعودية، والامارات العربية المتحدة، والكويت، والأردن لمثل هذه الخطوة. وجاء إعلان نبيل العربي بعد دعوات مماثلة خلال العام 2014 في قمة مجلس التعاون الخليجي في الدوحة. وفي السنوات الأخيرة، قامت معظم الأنظمة العربية بتعزيز وتحديث قواتها المسلحة، مما خلق سباق تسلح غير مسبوق في المنطقة. وباتت التدريبات العسكرية، وبخاصة بين مصر والأردن ودول مجلس التعاون الخليجي، مألوفة منذ عام 2013. فعلى سبيل المثال، زادت دول مجلس التعاون الخليجي وارداتها من الأسلحة بنسبة 70% بعد الربيع العربي في ديسمبر 2010. يشهد العالم العربي حالة من الفوضى، إذ تدمر الحروب الأهلية كل من الصومال واليمن والعراق وسوريا وليبيا، في حين يطارد شبح الإرهاب كل من الجزائر ومصر وإلى حدٍ ما كل من تونس والمغرب والأردن والسعودية. أنظمة هذه البلدان ضعيفة وبلادهم هشة وذلك بسبب نفاذية الدول العربية إذ لا يمكن احتواء الصراعات في بلد واحد. كما تشعر العديد من البلدان العربية بالتهديد من قِبل إيران وعملائها، ولا ينظرون إلى عودة تركيا إلى المنطقة باعتباره تغييراً إيجابياً. وبالتالي أصبح دور اسرائيل في الوقت الراهن ثانوياً حيث باتت عدواً ينحصر في الخطابات بدلاً من كونها عدوا عسكريا كما كانت في السابق. ولا تعتبر دعوات إنشاء جيش عربي موحد أمراً جديداً في المنطقة. هذا وقد تم إنشاء تحالف دولي، بمشاركة عربية في عام 2014 لشن ضربات جوية على تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا والعراق. بينما شنت مصر عملياتٍ ضد الجماعات الإسلامية في ليبيا، من خلال العمليات السرية والضربات الجوية، مدعومة في بعض الأحيان من الإمارات العربية المتحدة. وفي مارس 2015، بدأت قوة عربية بقيادة المملكة العربية السعودية حرباً (إلى حدٍ ما) على جماعة الحوثي المدعومة من قِبل إيران في اليمن فيما يكاد أن يكون حرباً بالوكالة ضد إيران. ومن ناحية أخرى، ينظر حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي استخدام القوة لوقف الهجرة غير الشرعية من السواحل الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط (وخصوصاً ليبيا وتونس).
تم إنشاء جامعة الدول العربية عام 1945 بهدف توحيد العرب تحت راية واحدة، وجيش واحد، وهكذا تم التوقيع على معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية على الرغم من عدم استخدامها قط في عام 1950. وتم تشكيل أول جيش عربي موحد ما بعد الاستعمار في عام 1948، وذلك بهدف الدفاع عن فلسطين ضد الصهاينة، إلا أنه خسر كل من الحرب والأرض. وتم تشكيل تحالفات عربية أخرى في وقت لاحق (1967، 1973) لمحاربة إسرائيل، ولكنها لم تحقق أي نجاح.
وفي عام 1976، تم إتخاذ اجراءات أكثر جوهرية، مثل قوة الدرع العربية التي كانت تهدف إلى وقف الحرب الأهلية اللبنانية. ومع ذلك، تألفت بشكل أساسي من الجيش السوري الذي أصبح على وجه الخصوص قوة محتلة. في حين تم إنشاء قوة درع الجزيرة بقيادة الجيش السعودي والتي غزت البحرين عام 2011 للمساعدة في وضع حد للانتفاضة التي اشتعلت على غرار الربيع العربي. هذا وتم الترحيب بالقوة العربية العسكرية المشتركة باعتبارها المشروع الضخم التالي على هذه القائمة.
وخلال القمة العربية في شرم الشيخ في مارس 2015، وبينما كانت عاصفة الحزم في اليمن على أشدها، تم كشف النقاب عن خطط تشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة. اجتمع الجنرالات العرب بعد ذلك مرتين في القاهرة لمناقشة الجوانب التقنية للقوة الجديدة. لن تلزم جامعة الدول العربية الدول المشاركة في مشروعها الجديد، إذ أن المشاركة طوعية. ويهدف هذا الجيش إلى التدخل في حال طلب أحد أعضاء جامعة الدول العربية ذلك. وينبغي أن يشمل الجيش ما بين 20,000 إلى 40,000 جندي وقوات برية وجوية وبحرية، بينما ستكون المقرات في كل من القاهرة والرياض.
وبشكلٍ عام، سيتم توفير التمويل من دول الخليج الغنية في حين أن القوى العاملة ستأتي من مصر والأردن والمغرب والسودان. وأعربت العراق، أقرب الدول العربية إلى إيران، عن تحفظها حول المشروع وكذلك فعل لبنان، حيث توجد العديد من الجماعات الموالية لإيران ولسوريا (أي موالية للأسد). ومع ذلك، تم تمرير الاقتراح.
يُعتبر الوضع في العالم العربي والتزود بالقوى للدفاع العسكري المذكور أعلاه من العوامل الرئيسية التي توّضح قرار إنشاء القوة العربية العسكرية المشتركة. وتعتبر مصر والسعودية القوتان المحركتان للمشروع. تمتلك مصر التي تلعب دوراً رمزياً كونها “أم الدنيا (العرب)” أكبر جيش عربي فضلاً عن احتضانها لمقر الجامعة العربية. أما المملكة العربية السعودية، التي تعدّ مهداً رمزياً للإسلام، أغنى الدول العربية والقوة المهيمنة في منطقة الخليج العربي.
وتعاني كلا الدولتين من الانشقاق الداخلي، الذي يتجلى بالتطرف والتناحر السياسي الداخلي، فضلاً عن التهديدات الخارجية، إذ يهدد تنظيم الدولة الإسلامية السعودية على الحدود الشمالية، بينما هناك اليمن إلى الجنوب وإيران إلى الشرق. أما مصر فتعاني على حدودها حيث تناضل ضد تمرد تنظيم الدولة الإسلامية في صحرائها الشرقية سيناء، وتزايد الفوضى في قطاع غزة على حدودها الشرقية، وانهيار ليبيا على حدودها الغربية، حيث يحقق تنظيم الدولة انتصاراتٍ على الأرض.
وترى المملكة العربية السعودية الجماعات العميلة لإيران في العالم العربي باعتبارها تهديداً دولياً يتوجب القتال، في حين ترى مصر جماعة الإخوان المسلمين في جميع أرجاء المنطقة كعدو يتوجب التخلص منه. كما أن كلا النظامين مبغضين لموجة الديمقراطية التي جلبها الربيع العربي.
كما أن هناك مخاوف في العديد من هذه البلدان (والكثير من الأنظمة العربية الموالية للولايات المتحدة الأمريكية) من أن الولايات المتحدة الأمريكية تُدير ظهرها للمنطقة. ويعتبر هذا الأمر ذو أهمية خاصة بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد بشكل كبير على حماية الولايات المتحدة. وعلى صعيدٍ آخر، فإن المحادثات النووية التي تجريها مجموعة (5+1) بقيادة الولايات المتحدة مع إيران، والتي ربما تمهد إلى نهج أقل عِداء من قبل الولايات المتحدة تجاه إيران، يضع الملح على الجرح العربي. هذا الشعور، إلى جانب التهديدات المتزايدة، عزز الاقتراح السعودي المصري لإنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة.
وفي إطار خوفهم من المشاكل الداخلية والخارجية، قررت البلدان، إلى جانب حلفائهم المقربين- أي بشكلٍ أساسي الملكيّات التي لا تزال قائمة في المنطقة- المضي قُدماً وتأسيس القوة العسكرية العربية المشتركة، ولكن هناك دلائل تُشير إلى أن هذا المشروع يندرج تحت خانة المشاريع العقيمة على غرار العديد من مبادرات جامعة الدول العربية السابقة.
وتعتبر الانقسامات من بين المشاكل البارزة بين الدول العربية، حيث تواصل المغرب والجزائر حربهما الباردة، في حين تخوض قطر حرباً بالوكالة في ليبيا ضد مصر والإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن الخلافات بين العديد من الدول العربية حول كيفية التعامل مع سوريا، وبعض علاقات البلدان مع إيران مما يزيد مهام القوة العسكرية العربية المشتركة تعقيداً.
كما تبرز مشكلة أخرى وهي حقيقة أن جامعة الدول العربية تضم بشكل أساسي أعضاء من أنظمة استبدادية تواجه سخطاً شعبياً غير مسبوق. وتعتبر القوة العسكرية العربية المشتركة نتاج أنظمة تكافح من أجل البقاء، وفي حال نجاح أي انتفاضة أو انقلاب عسكري، سيعرّض هذا المشروع بأكمله للخطر.
بل الأهم من هذا، يختلف التسلح والعقائد العسكرية للدول العربية نظراً لتاريخ كل منها بعد الاستعمار ووفقاً للأولويات العسكرية. فقد تم تدريب بعض الجيوش لمواجهة بعضها البعض، في حين أن بعضها الآخر غارقٌ حتى أذنية بقضايا بلاده الاقتصادية والسياسية، بينما البعض الآخر يقبع في خانة التهميش.
بعض هذه الجيوش حصل على تدريبه من قِبل الاتحاد السوفياتي ومسلّح بأسلحة سوفيتية، في حين أن الآخرين نتاج أمريكي محض.
هناك هدف واحد يمكن أن يوحدهم: إيقاف موجة الديمقراطية في المنطقة والفوضى التي صاحبت ذلك، والتي يجسدها تنظيم الدولة الإسلامية. وربما تعتبر عاصفة الحزم جنين القوة العسكرية العربية المشتركة، إلا أن بداياتها لم تكن واعدة. قد تكون هذه الحرب بالنسبة للقوة العسكرية العربية المشتركة مثل النكبة الفلسطينية عام 1948 بالنسبة لمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية.